سجن تنزروفت.. “غوانتانامو” الجزائر لبارونات المخدرات
أعلنت السلطات الجزائرية عن قرار أمني لافت يقضي بتحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي في منطقة تنزروفت، أقصى جنوب البلاد، إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات والمهربين.
وقد تعددت مسميات هذه المنطقة بين “صحراء العطش”، “صحراء الموت”، “أرض الرعب” لقساوتها، إذ تتراوح فيها درجة الحرارة صيفا، حسب عدة مراجع مختصة، بين 52 و60 درجة مئوية، وأطلقت عليها تلك الأوصاف لشدة وعورتها وخلوها التام من مظاهر الحياة البشرية والنباتية، وتُعرف بأنها أرض لا تتحلل فيها الجثث بسهولة بسبب شدة الجفاف وانعدام الرطوبة والبكتيريا.
ويعد القرار إجراء جديدا لكبح جماح شبكات المخدرات التي أغرقت بها الجزائر، في إطار ما يعرف بالحروب الجديدة. وسبق أن تقرر الكشف عن أسماء عناصر شبكات المخدرات ونشر صورهم، غير أن هذا يبدو لم يكن كافيا، لذا جرى المرور إلى إجراءات أكثر صرامة.
والمسافر عبر هذه الصحراء تلفت أنظاره عشرات هياكل المركبات بل المئات، كلها لأشخاص ومسافرين ضل بهم الطريق في هذه الصحراء ولقوا مصرعهم بالنسبة للأغلبية الساحقة منهم.
وجاء القرار خلال اجتماع المجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، في إطار بحث تطورات الوضع الأمني وسبل تعزيز مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة. كما تضمن الاجتماع قراراً بإنشاء هيئة أمنية متخصصة في مكافحة المخدرات، بما يعكس توجه السلطات نحو تكثيف الإجراءات الأمنية ضد شبكات الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية.

وتُعرف تنزروفت بأنها من أكثر المناطق الصحراوية عزلة وقسوة في الجزائر والصحراء الكبرى، كما تُعرف باسم “أرض الرعب” (Land of Terror) بسبب ظروفها الطبيعية القاسية، وهي منطقة واسعة تقع في أقصى الجنوب، وتمتد باتجاه الحدود مع مالي، وتتميز بجفاف شديد وندرة مصادر المياه والغطاء النباتي، فضلاً عن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قاسية خلال فصل الصيف. ووفق معلومات وكالة الفضاء الأوروبية، تُعتبر منطقة تنزروفت من أكثر المناطق جفافاً وعزلة في الصحراء الكبرى، ولذلك ارتبط اسمها تاريخياً بظروفها الطبيعية الصعبة.
وتضم المنطقة مساحات شاسعة من الهضاب والسهول الصخرية والرمال، مع وجود بشري محدود للغاية.

ويكتسب اختيار تنزروفت موقعاً للسجن أهمية أمنية خاصة بسبب طبيعتها الجغرافية. فبعد المنطقة عن المدن والتجمعات السكانية، وصعوبة التنقل فيها، وندرة المياه، كلها عوامل تجعل الهروب أو التحرك خارج المنشأة أمراً بالغ الصعوبة. ومن الناحية الأمنية، يمكن أن يشكل الموقع الصحراوي طبقة إضافية من الحماية إلى جانب أنظمة الحراسة والتأمين داخل السجن. ومع ذلك، فإن السلطات الجزائرية لم تنشر حتى الآن تفاصيل كاملة حول تصميم المنشأة أو عدد الزنازين والطاقة الاستيعابية أو موعد بدء استقبال السجناء.
ويستهدف السجن، وفق الإعلان الرسمي، الأشخاص المصنفين ضمن بارونات المخدرات والمهربين، وليس بالضرورة جميع الأشخاص المدانين في قضايا المخدرات. ويعكس ذلك رغبة السلطات في عزل الشخصيات التي يُعتقد أنها تقود أو تنظم شبكات الاتجار بالمخدرات، ومنعها من مواصلة إدارة أنشطتها الإجرامية من داخل السجون. ويأتي هذا الإجراء في سياق عمليات أمنية متزايدة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في الجزائر.
وقد شهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة عمليات كبيرة أسفرت عن ضبط كميات ضخمة من المخدرات والمؤثرات العقلية. ومن بين أبرز العمليات التي أعلنت عنها السلطات ضبط أكثر من عشرة ملايين قرص من المؤثرات العقلية، إضافة إلى أكثر من 33 كيلوغراماً من الكوكايين، مع توقيف أشخاص يشتبه في ارتباطهم بشبكات إجرامية منظمة. كما أعلنت مصالح الجمارك والأجهزة الأمنية عن عمليات أخرى لضبط أقراص بريغابالين وغيرها من المواد المخدرة.
ويشير قرار تحويل الثكنة العسكرية إلى سجن عالي التأمين، بالتزامن مع إنشاء هيئة أمنية متخصصة، إلى توجه الجزائر نحو استراتيجية أكثر تشدداً في مواجهة تجارة المخدرات.
ولا يعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على السجن وحده، بل يتطلب أيضاً تعزيز مراقبة الحدود، وتفكيك شبكات التهريب، وتتبع مصادر تمويلها، وتبادل المعلومات الأمنية، إلى جانب تطبيق الأحكام القضائية وبرامج الوقاية من الإدمان.
ومن المتوقع أن يحظى مشروع سجن تنزروفت باهتمام كبير باعتباره تجربة أمنية تعتمد على الجمع بين العزل الجغرافي والتأمين المشدد لمواجهة كبار المتورطين في تجارة المخدرات.
المصدر: العربية – شمال أفريقيا



