سيلين بورناند عن «بيت الحياة»: الأرشيف مليء بالفراغات
في معرضها «بيت الحياة» الذي افتُتح مساء 14 أبريل الماضي، واستمر حتى 30 أبريل في أكسيس جاليري بوسط القاهرة؛ قدمت الفنانة البصرية والباحثة، سيلين بورناند، قراءة لأرشيف الصور والكتاب الخاص بجدّها الطبيب السويسري، رينيه بورناند، الذي استقدمه الملك فؤاد إلى حلوان عام 1926، لافتتاح مصحة لمرضى السل. لكنها لم تتوقف عند فكرة الأرشيف الشخصي، بل استعانت بأرشيفات مكتشفة من عشرينيات القرن الماضي، وصورت ما يشبه الفيلم التجريبي داخل المستشفى الذي عمل فيه جدّها الأكبر منذ حوالي مئة سنة؛ مستعينة براقصين وممثلين يقومون بعروض أدائية داخل الحيز المكاني للمستشفى المهجور، والذي يحكمه مجموعة من البلطجية منذ سنوات.
إلى جانب ذلك، عملت سيلين على فيلم وثائقي قصير يقوم على صور أرشيفية يرافقها تعليق صوتي، يتتبع حكاية الجد الأكبر وأرشيفه، كما يتأمل موقع سيلين نفسها داخل هذه الحكاية. يعبُر الفيلم بين الذاتي والتاريخي، ليمنحنا في نهايته تصورًا عن طبيعة المعرض وهيئته. ومن خلال هذه الأذرع التجريبية والفنية والأرشيفية والاستعادية، تحاول سيلين أن تستكشف بصورة غير مباشرة، الكيفية التي تُشكّل بها الصور والحكايات رؤيتنا للذاكرة والزمن.
استغرقت سيلين في بحثها حوالي عشر سنوات، خلال تلك المسافة الزمنية كانت تعيد استكشاف نفسها وعائلتها وموقعها من الأرشيف، لتخلق في النهاية أشكالًا من التداخلات بين الوسائط الفنية وأنواعًا من التقاطعات الزمنية لتُنتج شكلًا فنيًا أكثر حرية، فقامت بجلسات تصوير بورتوريهات استعادية، وصنعت المستحيل لتصوير فيلم تجريبي في المستشفى المهدّم، بالإضافة للجانب البحثي الذي خرج عن إطار الأرشيف العائلي ليمتد إلى صور متعلقة بالمستشفى والسياق التاريخي للحكيمات والممرضات واستوديوهات التصوير، إلى جانب الاستعانة ببعض الكُتب الروائية المصرية لوصف النمط الاجتماعي في تلك الحقبة الزمنية، طبعًا فضلًا عن كتاب «الحياة» لجدّها رينيه بورناند.
لا تتعامل سيلين مع الأرشيف بوصفه مادة مكتملة أو حقيقة جاهزة، بل كوسيط منقوص ومليء بالفراغات. فبينما توثق صور الأرشيف العائلي حضورًا فعالًا للجد الأكبر وممارساته الطبية في المستشفى، تضيع ملامح المرضى في الغياب، وتخلّف وراءها فراغات مغرية للعب. لم تعتمد سيلين على مراكمة الوثائق لسد الفجوات، بل حاولت إنتاج سرديّة ممتدة تخلق طبقات وجسورًا متخيلة قوامها الخيال والجسد والعروض الأدائية والفيديو، كأنها تحاول أن تمنح حضورًا لما لم يُسمح له أن يُؤرشف أصلًا.
في هذا الحوار معها نطلب منها أن تأخذنا في رحلة داخل مشروعها الفني، ونسألها كيف بدأ وما هي مراحل تطوره؟ ومتى يجب أن تظل الصورة ضمن إطارها الأرشيفي أو التوثيقي، ومتى تتحول إلى شيء خيالي، وكيف تعاملت مع صعوبة عرض الأجساد الهشّة والمعرّضة لإعادة التخييل في مثل هذه الصور الأرشيفية.
لنتحرك من البداية، أريد أن أعرف أكثر عنكِ كفنانة، متى جئتِ إلى مصر أول مرة ولماذا؟
في ذلك الوقت كنتُ أعيش في برلين، وأحضّر الماجستير تخصص الأنثروبولوجيا البصرية والإعلامية، جئتُ إلى مصر عام 2016 لأنني تقدّمت لإقامة فنية، إذ كنتُ أعمل أثناء دراستي على مشروع عن الثعابين، كان اهتمامي بها مزدوجًا، فنيًا وأنثروبولوجيًا، لذلك بدأتُ بإجراء مقابلات مع الرفاعية لأنني سمعت أن لديهم قدرة على التعامل مع الثعابين، وبدأتُ بالفعل في العمل معهم. بعد انتهاء الإقامة التي استمرت ستة أشهر، عدتُ إلى برلين وقدّمتُ معرضًا كبيرًا، لكنني شعرت أن مصر أكثر إثارة للاهتمام من برلين، لذلك عدتُ في 2017 واستقررت في عابدين بعد أن أخبرني باحث إيطالي أنه سيغادر شقته.
إذًا قرار عودتك إلى مصر كان قرارًا شخصيًا؟
نعم، كان قرارًا شخصيًا بالاستقرار.
أريد أن تأخذيني في رحلة داخل المشروع، كيف بدأ وما هي مراحل تطوره؟
عندما جئتُ إلى مصر، كنت أعلم أن جدي الأكبر كان في مصر، لكنني اعتقدت أن الأمر مجرد حكاية عابرة وغير مهمة، عندما سألت جدي (ابنه)، أخبرني أنه كتب كتابين، أحدهما بعنوان «الحياة»؛ يحكي فيه قصة المصحّة، وعندما قرأت الكتاب، وجدته غنيًا جدًا لأنه يتحدث عن أماكن كنت قد زرتها بالفعل، أشبه بالبقايا، ويتناول الثقافة المصرية ومشاعره تجاهها، بالإضافة لكونه كان يتمتع بروح فكاهية أيضًا، لكن المشكلة ظلت في كون المصحة لم تعد موجودة، فبقيت الفكرة في ذهني دون تنفيذ، ثم التقيت حسين الحاج، الذي كان يعمل في «سي آي سي وسيلاس»، حيث كنت أدرّس الأنثروبولوجيا، وأخبرني أنه وجد صورًا للمصحة في أحد الكتب تثبت أن المبنى لا يزال قائمًا.
ذهبنا إلى المكان معًا، ثم عدتُ إلى سويسرا، وأجريت مقابلة مع جدي، لكنه لم يتذكر الكثير، غير أنه أخبرني بوجود صور لدى أحد الأقارب، فذهبتُ مع والدتي إلى بيت العائلة، ووجدنا ثلاثة ألبومات مليئة بالصور، صور جدي الأكبر 25 ألبومًا، وثلاثة منها عن مصر؛ عندها أدركت أن لدي مادة ضخمة ومتنوعة بين كُتب وصور أرشيفية ومبنى تاريخي، ومن خلال تلك المواد يمكن أن أبدأ بالعمل على المشروع.
بدأت في 2018-2019 بكتابة المشروع والبحث عن تمويل، وحصلتُ على منحة من مهرجان Images Vevey، وهو مهرجان كبير في سويسرا خاص بالفنون البصرية والفوتوغرافيا، مكنتني المنحة من توظيف مصوّر لرقمنة الألبومات بجودة عالية، ثم بدأت العمل على الفيلم. استعنت بإحدى صديقاتي الممثلات لتقوم بالأداء الصوتي فيما كتبت أنا النص، وصديق آخر قام بأعمال المونتاج، وعرضت الفصل الأول من المشروع -فيلم وثائقي/خيالي إلى جانب صور- في «Images Vevey» عام 2020.
ولحسن الحظ شاهدت مديرة متحف فوتوغرافي في مدينة بيان العمل وأعجبت به، أخبرتها أنني أحتاج للتمويل من أجل العودة إلى مصر والعمل على سياقات إبداعية خارج إطار الأرشيف، وبالفعل أعطتني المال الكافي لإعداد معرض في سنة واحدة، صورت خلالها بورتريهات، وذهبت إلى حلوان لتصوير تسلسلات الرقص وعملت على المونتاج، وأضفت خاتمة للفيلم الوثائقي القصير حيث كنت أسأل عرّافة لماذا أنا في مصر، ثم عرضت الجزء الثاني من المشروع في بيان عام 2021.
حاولت عرض المشروع في مصر، ولكن الأمر كان صعبًا بسبب التمويل، حاولت عرضه في «مدرار» عام 2022 لكن لم أستطع، فالمؤسسة الثقافية السويسرية رفضت تمويل المشروع، حاولت معهم أكثر من مرة، كانوا يخبرونني أن المشروع ليس من أولوياتهم، رغم أن المؤسسة تدعم التعاون المصري-السويسري.
بعد ذلك عزمت على تمويل المشروع بنفسي، ولكن لحسن الحظ، تعرّفتُ على مؤسسة أخرى، هي بمثابة مبادرة أنشأها زوجان عاشا في مصر لسنوات طويلة، بهدف دعم وتعزيز التبادل الثقافي بين سويسرا ومصر، ودعموني ببعض المال، لأعرض في النهاية المشروع في «access» وأتحمل معظم التكاليف على نفقتي.
متى توقف الأرشيف عن كونه شخصيًا وأصبح شيئًا عامًا؟
بصراحة، في البداية كنت أشعر أن هذه القصة مثيرة للاهتمام، لكن في الوقت نفسه كنت دائمًا أشعر بشيء من الحرج تجاه الأمور العائلية، وكنت أتساءل لماذا قد يهتم أي شخص بهذا؟ بدا الأمر شخصيًا جدًا، وربما غير مهم للآخرين. لكن مع مرور الوقت، وبما أنني عشت في مصر لعدة سنوات، أدركت أن حلوان كانت ذات أهمية كبيرة لكثير من الناس، لأن معظم أجدادهم كانوا يملكون بيوتًا هناك، عندها بدأت أفهم أن ما يبدو في البداية مجرد حكاية عائلية صغيرة ومحرجة، يمكن أن يحمل في داخله شيئًا أوسع.
في فترة ما كنت أرغب في إنجاز دكتوراه حول هذا الموضوع، واكتشفت مدى صعوبة الوصول إلى الأرشيفات مثل دار الوثائق ودار الكتب، لأن الوصول إلى المواد الأرشيفية في مصر ليس سهلًا، فبدأت أشعر أن هذا المشروع، رغم كونه عائليًا، يحتوي على ما هو أكثر بكثير من مجرد قصة عائلتي، هناك مشاهد من حلوان، وصور للناس، وبالطبع يوجد الكثير من الأجانب البيض، لكن هناك أيضًا أشياء أخرى كثيرة. ففكرت أن المسألة ربما تتعلق باختيار ما يمكن أن يهم الآخرين، وترك ما هو شديد الخصوصية جانبًا.
كما أنني وجدت الأمر مثيرًا لأن جدّي الأكبر كان كاتبًا أيضًا، وكان لديه منظور خاص جدًا للأشياء، حيث وصف وزارة الصحة، وقصر عابدين، وكل ما كان يحدث في ذلك الوقت، وهكذا فهمت أن هذه ليست مجرد قصة واحدة، بل تحتوي على العديد من القصص الصغيرة، المرتبطة بتاريخ الملك، والثورة، والسياق السياسي، وربما أيضًا بسبب استدعاء الطبيب السويسري، لأن سويسرا لا تمتلك تاريخًا استعماريًا مثل فرنسا أو إنجلترا، أو ربما بسبب علاقتها بالجبال والمصحات الجبلية؛ لذلك، أثناء تحضيري للدكتوراه، قرأت كثيرًا عن محمد علي، وكتب خالد فهمي، وعن تاريخ مصر وتاريخ الطب، ومع كل هذا البحث، أدركت أن المشروع، رغم طابعه الشخصي، يتناول موضوعات أكثر شمولية، يمكن للناس أن يتفاعلوا معها، بل وربما يتشجعون لمشاركة أرشيفاتهم الخاصة؛ وهذا ما يحدث الآن بالفعل، إذ يكتب لي أشخاص ويقولون إن آباءهم كانوا في حلوان ويرسلون لي كتبًا.
أعتقد أن المشروع توقّف عن كونه شخصيًا تقريبًا في عام 2017، عندما ذهبت إلى المصحة ورأيت المكان على أرض الواقع، وأدركت أنه ما زال موجودًا وله تاريخ حي. لا أعلم إن أجبت عن سؤالك بالكامل.
كيف أثّر وجودكِ في المكان على فهمكِ للأرشيف؟
كان الأمر قويًا جدًا، قويًا على نحو بالغ. قبل ذلك كنت أقرأ عنه في الكتب وأراه داخل الأرشيف، لكن عندما ذهبت إلى هناك وأدركت أن عائلتي كانت في هذا المكان قبل مئة عام، كان ذلك إحساسًا نفسيًا غريبًا جدًا، أن تفكر أنهم ساروا في الشوارع نفسها التي أقف فيها أنا بعد قرن كامل. كان الأمر مؤثرًا جدًا على المستوى العاطفي.
وعندما ذهبت إلى المكان كنت أحمل الكتاب معي، وكان الناس يقولون لي، لا تدخلي هذا المبنى، إنه خطير، وما إلى ذلك، لكنني صرت أتعامل مع الأمور بطريقة مختلفة، لكن في الوقت نفسه، هناك جانب حزين أيضًا، لأن حلوان كانت مدينة جميلة جدًا في الماضي، لذلك فالإحساس معقد، كونك تكتشف المكان، ولكنك تدرك أنه لم يعد كما كان، قد يكون المبنى لا يزال قائمًا، لكن التحولات الاجتماعية والسياسية جعلت الناس يعيشون في فقر شديد، ويعانون من الأمراض الناتجة عن الصناعات.
ولكن بالطبع وجودي في المكان يمنحني إحساسًا مختلفًا تمامًا، عندما تنظر إلى الأرشيف، يمكنك أن تُسقِط نفسك على عالم يبدو مثاليًا وكاملًا، فمن خلال التسلسل البصري للصور الأبيض والأسود؛ يمكنك بسهولة أن تنجرف نحو نوع من التقديس الجمالي، وكأن كل شيء جميل ومثالي، ولكن عندما تذهب إلى المكان فعليًا، يكون الأمر أشبه بصدمة مباشرة، أنت هنا الآن، في الحاضر، والأشياء لم تعد كما كانت.
نحن في عام 2026، والواقع مختلف تمامًا، لهذا أعتقد أن الفيديوهات كانت مهمة جدًا في المعرض، لأننا نستطيع دائمًا أن نحتفي بالأرشيف كنوع من الجمال أو الذكرى، لكن في الوقت نفسه، المكان ما زال موجودًا، ويمكننا التفكير فيه الآن، لا باعتباره مجرد كبسولة جمالية وزمنية مغلقة تنتمي إلى الماضي.
ماذا عن عنوان «بيت الحياة»، أعلم أنه يعود إلى زمن سابق، لكنه يمنحني شعورًا متناقضًا، خاصة في ظل حضور المرض والخراب والغياب. فمن هم الأحياء تحديدًا في عملك؟
نعم، هو يحمل نوعًا من التناقض فعلًا. أولًا، هو اسم المستشفى ذاته، ولكن إذا فكرت فيه بشكل مجازي أكثر فرُبما هو المكان الذي نعيش فيه جميعًا الآن، وربما يتعلق الأمر بمشروع المعرض ذاته ومحاولة إحياء التاريخ، وجعل الناس يتحدثون عنه ويتصلون به.
على سبيل المثال، كان الافتتاح في مصر قويًا جدًا مقارنة بسويسرا، فالناس في سويسرا لا يعرفون المكان، وينظرون له كعمل فني له قيمة جمالية فقط، لذلك أعتقد أن «بيت الحياة» هو مشروع ذو امتداد واستمرارية، لن ينتهي عند المعرض، بل سيتصل بكل ما يحيط به، الأشخاص الذين ألتقيهم، مثلك أنت، والمترجم، وكل من يدخل في هذا المسار.
وبالطبع، قد يبدو المبنى ميتًا، لكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ إنه مليء بالحياة، بل إن اعتبار هذا المكان ميتًا أو مدمرًا هو في حد ذاته نوع من الأحكام الاجتماعية المسبقة، لأن كثيرًا من الناس ما زالوا يذهبون إليه، نعم، هناك أشباح، لكن هناك أيضًا حضور ووجود داخله.
كما أن المشروع كله أُنجز خلال فترة مرض أمي، التي توفيت عام 2020، وقتها أدركت أن الأشخاص لا يختفون تمامًا حين يموتون؛ بل تبقى أرواحهم معنا. لذلك، «بيت الحياة» هو أيضًا عن تخيّل حضور هؤلاء الذين رحلوا، كيف يمكن أن يستمروا في التأثير علينا وإلهامنا، فالأمر لا يتعلق فقط بما هو مرئي.
لكن كيف تقرّرين متى يجب أن تظل الصورة ضمن إطارها الأرشيفي أو التوثيقي، ومتى تتحول إلى شيء خيالي؟ أعلم أن السؤال تجريدي إلى حد ما، لكن أود أن أسمعك تتحدثين عنه بأي طريقة ترينها مناسبة.
في بدايات مسيرتي كنت أعمل كثيرًا على الرسم، كنت أنجز رسومات كبيرة بالأبيض والأسود، وكنت أرى فيها شيئًا جميلًا يمكن للناس أن يعلّقوه في منازلهم، لكن مع الوقت أدركت أن اهتمامي لم يكن في الصورة بوصفها سطحًا، بل في تجسّد الأشياء، فالأرشيف في جوهره صور ثنائية الأبعاد، يمكن أن تُسقِط عليها خيالاتك وذكرياتك، لكن بالنسبة لي، كان من الضروري الخروج عن هذين البعدين، والدخول إلى الثالث، خصوصًا مع وجود المبنى.
كنت أبحث عن شيء جسدي وحسي وحركي، لا سيما أن المرض الذي عاني منه المرضى كان يترك أثرًا مباشرًا على أجسادهم؛ يكفي أن تقرأ الوصف لتدرك ذلك، ثقوب في الرئتين، تشوّه في التنفس، حضور مادي للمعاناة، لهذا أردت أن أستحضر الراقصين، كطريقة لإعادة إحياء هذا الغياب.
أظن أن لحظة انتقال الصورة من التوثيق إلى التخييل تحدث حين تظهر الفجوة، بحيث لا يعود الأرشيف كافيًا، ولم يكن لدي أي مواد عن المرضى أنفسهم، فكان عليّ أن أستحضرهم بطريقة تجعلهم أكثر حضورًا من مجرد صورة بالأبيض والأسود، أردتهم أن يدخلوا الفضاء، أن يوجدوا فيه.
ولهذا عرضت المقاطع الفيلمية بهذا الشكل؛ كنت أريد للمتلقي أن ينخرط في المقياس ذاته، أن يشعر بحضور أجساد حقيقية، لم أرد شاشات صغيرة، لأنني كنت أبحث عن الأثر الجسدي، عن الإحساس بالمواجهة، ولهذا أيضًا اخترت فضاء العرض نفسه، لأنه يشبه مستشفى مهجورًا، يحمل أثر الخراب. أعتقد أن الأمر يبدأ تحديدًا من هذه اللحظة، عندما لا تجد ما تعمل عليه، يصبح عليك أن تخلقه.
لا أعرف إن كنت أستطيع صياغة هذا السؤال بدقة، لكنه يشغلني، حين تعملين مع أشخاص آخرين، خصوصًا وهم مصريون، فإن تمثيلك للعمل يصبح صادرًا من زاوية نظر مختلفة، كأن هناك تصادمًا بين تواريخ متعددة… الأمر معقّد بعض الشيء في التعبير، لكن عندما تتعاونين مع أشخاص من ثقافة أخرى، وربما يكون تاريخهم، أو تاريخ عائلاتهم، متقاطعًا مع تاريخ عائلتك أو موقعك.. فهم يمتلكون أيضًا رؤيتهم الخاصة، وطريقتهم في النظر إلى الأشياء.. فكيف تمكنتِ من الحفاظ على أرشيفك الخاص ورؤيتك ومشروعك، وفي الوقت نفسه العمل مع كل هؤلاء؟ وكيف أثّر ذلك على العملية برمّتها؟
بالنسبة لي، كانت هذه أول مرة أعمل فيها مع آخرين بهذا الشكل، وكان الأمر صعبًا جدًا، كنت أريد أن يتم كل شيء بطريقة أخلاقية، وكنت أفكّر كثيرًا في ذلك، أظن أنه من المهم التمييز بين «التعاون» و«العمل بالتكليف»، فبعض الأشخاص كانوا يساعدونني بدافع الصداقة والاهتمام، مثل حسين، بينما ذهبت إلى آخرين وطلبت منهم أن يكونوا جزءًا من المشروع لأنني رأيتهم داخله بطريقة ما، أو أعجبتني هيئاتهم وحضورهم.
في البداية، كان هذا الجانب معقّدًا، لأن بعضهم لم يكن مهتمًا بالمشروع أو لم يتأثر بقصته، فكان عليّ أن أشرح لهم الفكرة بشكل مطوّل، فمثلا لقد دعوت الراقصين إلى منزلي، وعرضت عليهم الأرشيف كاملًا، وشرحت لهم المشروع بالتفصيل، وفي النهاية كان هناك أيضًا جانب مادي -أي دفع الأجور- لأن هذا عمل بمُقابل مادي.
وخلال العمل، ظهرت اختلافات في طرق الاشتغال، فالراقصون يعملون من خلال أجسادهم، لا من خلال مفاهيم نظرية، لذلك كان علي أن أتكيف مع طريقتهم، حاولت منحهم أكبر قدر ممكن من الحرية، لكن في الوقت نفسه، وبوصفي مخرجة وصاحبة المشروع التي عملت طويلًا، كان عليّ أحيانًا أن أوجه وأختار وأقرر ما يناسب طريقتي.
كانت تجربة صعبة، لأنني كنت أراجع نفسي باستمرار، خصوصًا في سياق النقاشات حول ما بعد الاستعمار، كيف يمكن أن أعمل مع الآخرين بشكل عادل؟ وهل ما أفعله تعاون فعلًا أم تكليف؟ كان الأمر أقرب إلى تفاوض دائم وحوار مفتوح، وما تعلّمته في النهاية هو أن هذا مشروعي، وبالتالي هو مسؤوليتي، لا يمكنني أن أتوقع من الآخرين أن يستثمروا فيه بالقدر نفسه الذي أفعله، أو أن يضعوا فيه كل شغفهم، لأن لديهم اهتماماتهم الخاصة، ولكن في النهاية الأمر يمكننا أن نلتقي عند نقطة ما، أن يقدّم كل منهم ما يستطيع، فيما أعمل أنا على تنظيم وتنسيق هذه العناصر ضمن بنية واحدة.
أما على مستوى التمثيل، فالأمر كان معقّدًا جدًا، كثير من الصور في ثلاثينيات القرن الماضي كانت تحمل طابعًا استشراقيًا، وغالبًا ما التقطها أجانب، كنت أرغب في إعادة بناء الأرشيف، لكنني كنت واعية بهذه الخلفيات المختلفة، وعلى إثر ذلك دخلت في نقاشات كثيرة: هل تبدو الصور استشراقية أم لا؟ حتى أن بعضهم قال إن وجود الطربوش بحد ذاته استشراقي، لكن بالنسبة لي، هذا جزء من البحث التاريخي، فالناس كانوا يرتدونه فعلًا في ذلك الزمن.
أعتقد أن الصورة بطبيعتها ملتبسة، ومعناها يتغيّر بحسب من ينظر إليها وخلفيته. وربما هذا هو دور الفنان، أن يطرح الأسئلة، وأن يقدم أشياء مفتوحة للنقاش، ما حاولت القيام به هو إجراء أكبر قدر ممكن من البحث، بما في ذلك قراءة الأدب المصري، حتى لا أعمل من منظور غربي ضيق، كما أن سنواتي في القاهرة عرّفتني على أطياف مختلفة من الناس، كنت على صلة بأصدقاء صوفيين في الخانكة، وأصدقاء في باب اللوق وغيرهم من الأصدقاء، وهذا منحني فهمًا أعمق للمجتمع.
سمعت أيضًا انتقادات من بعض أصدقائي الراقصين تجاه مصممي رقص فرنسيين يأتون لفترة قصيرة، يستخدمون موسيقى المهرجانات، ويقتطعون عناصر من سياقها ليقدّموها بشكل تجاري، بالنسبة لي، كان من المهم أن يتم المشروع بالكامل داخل مصر، ويُعرض فيها بالنهاية.
كما أنني لم أحقق أي ربح منه، بل أنفقت عليه من مالي الخاص، لذلك لم أتعامل معه كمشروع تجاري. بالنسبة لي، هو عمل جماعي بمعنى معيّن، مساحة للتلاقي وللتواصل مع المجتمعات، نوع من المحرّك الذي يمكن للآخرين الانخراط داخله إن أرادوا، ومن لا يشعر بالصلة والتوحد مع المشروع، فهذا أيضًا طبيعي. أما مسألة الدفع مقابل العمل، فكانت مهمة بالنسبة لي، لأنها تمنح كل شخص حرية استخدام ما يتقاضاه كما يشاء. لذلك، يمكن القول إنه ليس «تعاونًا» بالمعنى المثالي، بل هو شكل من أشكال الاشتغال المشترك، وإن كان عالم الفن يجعل هذه الحدود دائمًا ملتبسة ومعقّدة.
يمكننا النظر إلى الأرشيف كنظام يتحكّم في ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، هذا ما يخطر ببالي على الأقل. لذلك أود أن اسألك هل تحاولين الكشف عن الأرشيف وعرضه، أم تفكيك سلطته، أم شيئًا آخر؟
لا.. أظن أنني لو تعاملت مع الأرشيف باحترام وصرامة تاريخية، لكان المعرض بأكمله قد تمحور حول جدي الأكبر، لأنه هو من كتب، وهو محور المواد المتاحة، لكن بالنسبة لي، كان الأمر مختلفًا. نعم، لدي هذا الأرشيف، لكنه يعود إلى شخص واحد، رجل أبيض، وأردت أن أعيده إلى مصر، أن أوسع مجاله، وأزيح مركزه قليلًا بعيدًا عن هذه الشخصية.
لهذا يمكنني القول إنني لم «أحترم» الأرشيف بالمعنى التقليدي، بل على العكس، حاولت أن أفتّته، أن أُفجّره، وأن أجزّئه، بحيث يصبح مفتوحًا لإعادة القراءة والتأويل من قبل الآخرين، حتى فكرة البطاقات البريدية مثلًا تقوم على هذا: أن يتمكّن كل شخص من أخذ ما يهمه من هذا الأرشيف، أن ينتقي، أن يعيد تشكيل علاقته به.
لذلك، لا أعتقد أن عملي يتمحور حول الأرشيف بوصفه نظامًا بحد ذاته، أو أن هذا هو اهتمامي الأساسي، فالأرشيف بالنسبة لي أقرب إلى مادة أولية، أو ذريعة، أو نقطة انطلاق، أي شيء أستخدمه لكي أذهب إلى مكان آخر، وأصنع شيئًا يتجاوزه.
إلى أي مدى يكون عملك محدد مسبقًا، وإلى أي حد يُكتشف أثناء الرحلة؟ أقصد بشكل عام، ولكن أيضًا تحديدًا في ما يتعلق بعملية التصوير داخل المستشفى، كم منه كان مخطَّطًا مسبقًا، وكم تشكّل في الموقع؟
أظن أنني، في العموم، أبدأ دائمًا بأفكار واضحة عمّا أريده، مثلًا بالنسبة للفيديوهات، كنت أعرف أنني أريد تصوير الراقصين داخل الغرف، لأنني أردت أن يكون العمل حيويًا، وأن تكون اللقطات ثابتة إلى حد كبير، لكن أثناء التنفيذ، تظهر أشياء غير متوقعة، على سبيل المثال، حين وصل مدير التصوير، لم يكن قد شارك في معاينة الموقع، فشعر بالضياع، فقلت له ببساطة، اذهب وصوّر المبنى، وكان هذا من المفاجآت، لأنني لم أكن قد فكرت في هذه اللقطات أصلًا، بل حدثت تلقائيًا، فيما كنت أنا منشغلة بتنفيذ الجزء المخطَّط.
عمومًا، منذ أن جئت إلى مصر، تغيّرت طريقتي في العمل قليلًا، هناك شيء، لا أدري كيف أصفه، شيء يكاد يكون سحريًا هنا، أحيانًا ما تريده لا يحدث، ويظهر بدلًا منه شيء آخر، لذلك أصبحت أكثر مرونة تجاه هذه الاحتمالات، أتذكر مثلًا أنني كنت مع أصدقاء كولومبيين نصور في أسوان، وكانوا يريدون وضع خطة تصوير يومية دقيقة، قلت لهم يمكننا أن نضع خطة، لكن الأمور لن تسير بهذه الطريقة على أي حال، وسنجد شيئًا آخر، أنا واثقة من ذلك.
أنا لست شخصًا متدينًا، لكنني بدأت أفكر أن الأمر يتعلق بالناس، أو بشيء ما في الظروف، أو ربما بنوع من الحظ، المسألة في النهاية هي أن تبقى منفتحًا على كل الأشياء الممكنة، ومع ذلك، أعتقد أن هناك توازنًا ضروريًا، بشأن رغبة واضحة في إنجاز شيء بعينه، وفي الوقت نفسه أن تظل مرنًا، مثلًا استغرق الأمر مني أربع سنوات حتى تمكنت من دخول المستشفى والتصوير فيه، كان الجميع يقول لي إن ذلك مستحيل، لكنني كنت واثقة أنني سأتمكن من ذلك، وفي النهاية التقيت بشخص ساعدني، ونجح الأمر، لكن حتى أثناء التصوير، لم تخلُ الأمور من التوتر، فقد جاء بعض البلطجية حاملين سكاكين، لذا أعتقد أن العمل هو مزيج من التمسك بأفكارك، وفي الوقت نفسه التعلم من السياق الذي تعمل فيه.
الأمر نفسه ينطبق على التعاون، طلبت من الراقصين تقديم أعمال فردية وجماعية، لكنني لم أفرض عليهم ما يفعلونه؛ بل جاءوا بأفكارهم الخاصة، وفي النهاية، يتعلق الأمر بامتلاك بنية أو إطار، مع الحفاظ على قدر من المرونة لما يمكن أن يحدث، وربما هذا ما يجعل الفن مختلفًا عن العمل الأكاديمي الصارم أو الوظيفة اليومية ذات الإيقاع الثابت؛ إذ يمكن أن تولد الأفكار من لقاء عابر، من شخص تقابله، من شيء لم يكن في الحسبان، ولا يمكن التخطيط لكل شيء، بل سيكون من الغباء محاولة ذلك.
وأعتقد أيضًا أن الوقت عنصر أساسي، ربما لم أحب أن يستغرق المشروع كل هذه السنوات، لكنني سمحت لنفسي بذلك، لأنني شعرت أنه يحتاج إلى صبر. أحيانًا تأتي المعلومات حين لا تتوقعها، وأحيانًا تبحث طويلًا ولا تجد شيئًا، ومع مرور الوقت، تزداد قدرتك على إدخال عناصر جديدة، وإعادة تشكيل العمل وفق ما يكشفه لك الطريق.
أود أن أسألك أيضًا عن علاقتك بالأرشيف، وهو أمر شديد الخصوصية. في أي لحظة شعرت أن هذا الأرشيف يحتاج إلى أن يُستكمل أو يُمدَّد إلى ما هو أبعد؟ أعني كان من الممكن أن يأتي شخص آخر ويأخذ هذه المواد الأرشيفية ويبني عليها مشروعًا متكاملًا، وربما يكون ذلك جيدًا أيضًا، لكنكِ اخترتِ أن تخرجي به خارج حدوده، وأن تبني حوله شيئًا آخر، شيئًا يتجاوزه. لماذا اتخذتِ هذا القرار؟
أعتقد أن ذلك حدث منذ بداية المشروع. كما ذكرتُ لك، كان الأرشيف يركّز بشكل كبير على جدي، في حين لا يكاد يقول شيئًا عن المرضى، وهذا ما أثار لديّ أسئلة عديدة، فقلت لنفسي عليّ أن أبحث أكثر، وأن أحاول إيجاد إجابات تسد هذه الفجوات، أو على الأقل أن أقدّم احتمالات وأفكارًا بديلة، لا أجوبة نهائية.
ولأنني فنانة، ولستُ مؤرخة، ما يهمّني هو أن أبني على المصادر والأفكار التي أملكها، لا أن أعيد عرضها كما هي، أنا لستُ قيّمة معارض. كان بإمكاني أن أقدّم معرضًا قائمًا بالكامل على الأرشيف، لكن هذا لا يثير اهتمامي كثيرًا، ما يشغلني هو أن أُدخل أفكاري ومشاعري وحدسي في العمل، أن أجعل الأرشيف نقطة انطلاق لشيء آخر، لا غاية في ذاته.
هل هناك شيء في الأرشيف اخترتِ عن قصد ألا تعرضيه؟
لا، ليس بالمعنى المباشر، لكن كانت هناك الكثير من الصور ذات الطابع السياحي، ولم أكن مهتمة حقًا بعرض صور الأهرامات أو أسوان، لأنني شعرت أن ذلك ينتمي إلى نوع آخر من الصور، إنها جميلة، ولكنها ليس ما أبحث عنه، كنت أركّز بشكل أساسي على المستشفى وحلوان.
كانت هناك بعض الصور لنساء أوروبيات بيضاوات في وضعيات استعراضية، ولم أفهم تمامًا سياقها، أعتقد أنني وضعت بعضها في بطاقات بريدية، لكن لا أعلم إن كانت طُبعت كلها أم لا، لذلك بدا الأمر غريبًا بعض الشيء. ومع ذلك، قالت لي صديقة: «حتى لو كانت غريبة، فهي مثيرة للاهتمام».
عمومًا، كان هناك الكثير من الصور لرحلات السويسريين في الصحراء، وشعرت أنه يمكنني الاكتفاء بعرض جزء صغير منها، لأنها ليست محور اهتمامي، ولم أرد أن أركّز على الحضور السويسري بحد ذاته، لذلك كان الأمر يتعلق أكثر بتوجيه الاختيارات، لا بالمنع أو الرقابة. لم أواجه شيئًا أشعر بضرورة حجبه، أو سبب لي انزعاجًا حقيقيًا.
كان الأمر مشابهًا أيضًا مع الكتاب، عندما قرأته لأول مرة، تساءلت إن كان صاحبه مجرد رجل أبيض جاء ليستفيد من المكان، لكنني اكتشفت أنه يحب المصريين فعلًا، ويتحدث عنهم وعن المجتمع بكثير من الاهتمام، ولا يوجد فيه نقد مباشر للإسلام مثلًا، صحيح أنه يقول أشياء مثل إن المصريين يحبون المال ويتنافسون عليه، لكنه في الوقت نفسه يعبّر عن إعجابه الكبير بمصر، بل ويقول إن الحياة في سويسرا أشبه بالفئران التي تركض داخل قفص للإنتاج.
كان لديه آراء متعددة، وأحيانًا كان يحمل نظرة ذكورية، وهذا هو الجزء الذي لم يعجبني، نقده للنساء، مثلًا لم يكن معحبًا بارتداء النساء للبنطلون.
هل تعتقدين أن الصورة أو الفن يمكن أن يُصلحا اختلالات تاريخية، أم أنهما يكتفيان فقط بكشفها وإظهارها؟
أعتقد أن الفن يمكنه أن يغيّر أشياء كثيرة، لكنه لا يصلح التاريخ بمعنى استبداله أو تعويضه، لأن هذا غير ممكن أصلًا، لكن للفن قدرة على أن ينقلك إلى مكان آخر، وأن يغيّر طريقة تفكيرك، أو يفتح نقاشات جديدة حول الأشياء. أنا شخصيًا، كلما ذهبت إلى متحف أو شاهدت معرضًا، أشعر بتحسّن بعد ذلك، حتى لو لم يعجبني العمل نفسه أحيانًا، يكفي أنه يقدّم لي طرقًا مختلفة للنظر إلى الأشياء.
لذلك لا أعتقد أن الفن يستطيع إصلاح التاريخ، لكنه يستطيع أن يقترح شيئًا آخر، وأن يدفع الآخرين إلى الردّ عليه، وأن يخلق نقاشًا، أن يثير عاطفة. أذكر أن أحد الأشخاص جاء وشاهد الفيديوهات، وقال لي: «أنا لا أفهم شيئًا، لكنني متأثر جدًا»، لذلك أعتقد أن للفن طريقته الخاصة في لمس الناس أو إزعاجهم أو إرضائهم، لكنه لا يُصلح التاريخ، بل ربما يفتح علاقات بديلة مع العالم، أو طرقًا أخرى للتفكير.
هل غيّر العمل على هذا المشروع علاقتك بأسرتك أو بنظرتك لتاريخها؟
في الحقيقة، لم يغير الأمر الكثير في علاقتي بأسرتي المباشرة، توفت أمي والمشروع يتعلق بجهة عائلتها، كان بعض أعمامي مهتمين بالأمر، لكنني أعتقد أنني فاجأت الجميع بخوضي هذه التجربة، ورغم ذلك، لم يبدِ الكثيرون اهتمامًا، فثمة أشخاص لا تعنيهم هذه الأمور ببساطة.
أما بالنسبة لي، فقد غيّر المشروع رؤيتي بالكامل، كنت أعيش في مصر، وفجأة اكتشفت أن لي فيها جذورًا وتاريخًا، أظن أن العمل خلق نوعًا من الرابطة الوجدانية مع جدي الأكبر الذي لم أعرفه قط؛ كان قد رحل قبل أن أولد، لكنني خلقت معه نوعًا من التواصل الخيالي، وهذا ما أتناوله بالتحديد في خاتمة الفيلم، حيث يفسر لي العرافون سبب عودتي.
لقد شعرت بوجود أواصر تربطني به وبرؤيته وبما كان يصبو لتحقيقه، وعلاوة على ذلك، تغيرت علاقتي بمصر؛ فبمجرد أن بدأ الناس يعلمون بشأن هذا المشروع، أصبح وجودي هنا يبدو أكثر «شرعية» في نظرهم، قبل ذلك كان البعض يتساءل باستغراب «لماذا أنت هنا؟» أما الآن فحين أتحدث عن المشروع، يرد الناس «آه، فهمت الآن.. لهذا السبب أنت في مصر»، وكأن هذا المشروع هو المبرر الوحيد المقبول لوجودي هنا.
هل يُعدُّ المبنى -المستشفى- بطلًا من أبطال عملك؟ هل عاملته بوصفه شخصية محورية؟
في بداية تبلور الفكرة، كنت أظن أن الأرشيف هو العنصر الأساسي الوحيد، لكن حين زرت الموقع ورأيت المكان، شعرت بأن للمبنى خصوصية بالغة، وأنه يمنح إحساسًا مختلفًا تمامًا عن بقية الغرف؛ ربما لأن العمل هناك يعتمد على الوسائط السمعية والبصرية، والمشاهد الحية التي تتيح لك رؤية الأشياء وتخيلها، إنه لأمر مذهل.
بالطبع المبنى نفسه بطل من أبطال الحكاية، أعتقد ذلك لأنه يجسد ثنائيات معمارية متضادة؛ بين الصحة والمرض، وبين فخامة الفندق وواقع الغرف، إنه عالم قائم بذاته، وأنا أرى أن العمارة عنصر شديد الأهمية في تشكيل حياتنا، والقاهرة بحد ذاتها مدينة مثيرة جداً للاهتمام لأنها في حالة تغير مستمر. لذا نعم، أنا أنظر إليه كبطل، كما أنه يحمل كل تلك الطبقات من الجرافيتي والآثار؛ إنه أشبه بآلة زمن، وفي الوقت ذاته، يمكنك أن ترى كيف يتهالك ويدمر نفسه بنفسه.
كيف تعاملتِ مع صعوبة عرض الأجساد الهشّة والمعرّضة لإعادة التخييل في مثل هذه الصور الأرشيفية؟ لا أعرف إن كان لهذا السؤال إجابة واضحة، لكن يهمّني أن أسمع رأيك. كيف ترين علاقتك بالمواد الأرشيفية، أعني الصور تحديدًا، من زاوية أخلاقية؟ فماذا يمكنك أن تقولي عن ذلك؟ عن أي صورة تتحدث تحديدًا؟ أعني الأمر بشكل عام، لا صورة بعينها. عندما نعرض مادة أرشيفية.. حدّد لي صورة بعينها، لأن السؤال يبدو واسعًا جدًا بالنسبة لي
هناك من أشار مثلًا إلى صورة لشخص ممدّد على السرير، يحيط به آخرون يفحصونه.. هل فكرتِ يومًا في البعد الأخلاقي لعرض مثل هذه الصور؟ وأنا لا أحاكمك، بل على العكس، العمل رائع وأحببته كثيرًا، لكن لا بد من طرح هذا السؤال.
أفهم. حسنًا، لنأخذ المثال الذي ذكرته. هناك بالفعل صورة لرجل مستلقٍ على السرير، لكنه مريض سويسري وليس مصريًا. التُقطت الصورة في سويسرا، وضعتها لأنني شعرت أنه إذا اكتفيتُ بعرض صور جميلة للأطباء سيبدو الأمر وكأنه تجربة سهلة، وكأن الجميع سعداء، كنت أريد أن أُظهر جانبًا آخر، ولهذا استعنت بنص لنجيب محفوظ وقصيدة لذلك الشاعر، لأن الموضوع في النهاية يتعلّق بمرض كان ينهك الناس وكان قاسيًا جدًا.
اخترت هذه الصورة تحديدًا أولًا لأن صاحبها ليس مصريًا، وثانيًا لأنه متوفى، وبالتالي لا يُسبب أذى لأحد. كما أنها كانت ضمن ألبوم عائلتي، وكان الشخص نفسه يُصوَّر، ما جعلني أشعر بأنه كان واعيًا بوجوده داخل الصورة، أما بقية الصور، فكانت للممرضات والعمّال، وكان من المهم بالنسبة لي أن أُظهرهم، لأنهم كانوا جزءًا من الجهد المبذول، وبالنسبة لي كان عرضهم موقفًا أخلاقيًا، لأن إخفاءهم هو ما قد يكون غير أخلاقي.
في الوقت نفسه، أشعر أحيانًا بالانزعاج من بعض الخطابات التي تُسمّى تفكيكية استعمارية، لأنها تميل إلى تصوير المصريين أو شعوب الجنوب العالمي كضحايا، ومجرد أشخاص مُستغلّين، وهذا في رأيي طرح اختزالي جدًا.
بالطبع، هناك اختلالات في موازين القوى، والعالم ليس عادلًا، لكن ما اكتشفته مثلًا من خلال عملي، هو وجود نساء مدهشات يقمن بأعمال عظيمة، ومن مسؤوليتي، بوصفي سويسرية، ألا أعيد إنتاج سردية تُظهر هؤلاء الناس كعاجزين أو بلا فاعلية؛ لذلك كان اختياري الأخلاقي هو تسليط الضوء عليهم.
كان لديّ الكثير من الصور للملك والمسؤولين، لكنني أردت أن أضع العمّال في المقدمة، لأنني أشعر أيضًا أن المجتمع المصري اليوم يُخفي غالبًا أولئك الذين يحملون عبء الحياة اليومية، الفقراء والعمّال، بينما يُسلَّط الضوء على من هم في القمة، هذا كان موقفي.
أما فيما يخص الصور الطبية، فلم يكن لديّ الكثير من الخيارات أصلًا، لم تكن هناك صور للمرضى، ربما لأسباب أخلاقية، ما وجدته فقط كان أوصافًا لعمليات جراحية فيما يكتبون عليه مثلًا: «أحمد، 24 عامًا» دون أي معلومات عن العائلة، ما جعل الوصول إلى المادة الأرشيفية صعبًا جدًا، بل إن الأرشيف نفسه يكاد يكون مختفيًا؛ لا أعرف أين ذهب. تحدثت مع باحثة تدرس في مستشفى بهمان (مستشفى في حلوان)، ولديهم أرشيف كامل لأنهم لا يزالون يعملون، لكني لم أجد أثرًا لأرشيف مصحة حلوان. ذهبت إلى القصر العيني، ولكنهم أعطوني مواد قليلة جدًا. لذلك في النهاية لم أكن مضطرة لاتخاذ قرارات أخلاقية كثيرة في هذا الجانب، لأن المادة نفسها كانت شبه غائبة.
أريد أن أسألك أكثر عن بنية المعرض. كيف قمتِ بتقسيم فضاء العرض؟ لأنه مقسم بين مواد بصرية وكتب وصور أرشيفية وبورتريهات، ما الذي قررتِ عرضه وأين؟ وكيف تريدين من المتلقي أن يتحرك داخل هذا المعرض؟ هل من خلال منطق سردي؟ أم عاطفي؟ أم عبر الحدس؟
أعتقد أنني قررتُ فعلًا الانطلاق من فكرة أنني أريد بناء ما يشبه مسارًا أو حبكة، لذلك فإن الغرفة الأولى هي الغرفة التي تحتوي على المواد التي وجدتها؛ كتب جدّي الأكبر، وبعض النصوص الأدبية، وجزء من السياق، وعنوان العمل، وقد تبدو هذه الغرفة غامضة قليلًا، لأن الناس لا يكونون متأكدين مما ينظرون إليه بالضبط.
ثم تأتي الغرفة الثانية، وهي التي تحتوي على الأرشيف الأصلي بالكامل وعلى الفيلم الوثائقي القصير، وأعتقد أن مشاهدة الفيلم مهمة جدًا لفهم المعرض، بعد ذلك تأتي غرفة أخرى مخصصة للأرشيف، لأن تسلسل المعرض يعكس إلى حد كبير الطريقة التي عملتُ بها، فأنا وجدتُ الكتب أولًا، ثم وجدتُ الأرشيف، ثم أنجزتُ الفيلم، وبعدها بدأتُ بالاشتغال على البورتريهات وعلى أرشيفات من ثلاثينيات القرن الماضي، ثم تأتي غرفة الممرضات والاستوديوهات، وبعدها قمتُ بإنشاء سلسلة «المرضى المتخيلين»، وفي النهاية هناك الغرفة الأخيرة، حيث أعود مجددًا إلى المكان نفسه الذي بدأت منه، لذلك فالمعرض يشبه نوعًا من الحلقة أو الدائرة.
ليس تسلسلًا زمنيًا بالمعنى التقليدي، بل هو في الحقيقة زمني بالنسبة لطريقة عملي أنا، صحيح، أي أنه يعكس كيف بدأ العمل وكيف ينتهي، لكنني في البداية كنت أريد وضع الفيلم في الغرفة الأولى، لكنني شعرت أن المكان غير مناسب للجلوس ومشاهدة الفيلم، وكان سيكون هناك الكثير من الحركة والازدحام. لذلك قررت أن أضعه في الغرفة الثانية حتى يتمكن الناس من التركيز.
ومن الأمور الطريفة أن بعض الزوار لم يلاحظوا الغرفة الأخيرة لأنهم ظنّوا أنها مظلمة، ولذلك قمت بفتحها لاحقًا. في المقابل، بعض الأشخاص فعلوا العكس؛ لدي صديقة اسمها أمنية قالت إنها دخلت المسار بشكل عكسي، وكان ذلك جميلًا بالنسبة لها، كأنها قامت برحلتين مختلفتين داخل المعرض.
وبصراحة، لم يكن لدي قيّم فني (كيوريتور) لهذا المعرض، وهذا جعل الأمر صعبًا بعض الشيء، لذلك اعتمدتُ بشكل كبير على الحدس في طريقة العرض، كما أنني كنت مترددة بخصوص كمية النصوص، هل أضع كل هذا الشرح أم لا؟ لأنني لاحظت أن بعض الناس لا يقرؤون أي نص، فيما آخرون يقرؤون كل شيء، ولكن في النهاية شعرت أن وجود النصوص مهم، كما أنها أعطتني فكرة لاحقًا لإنجاز كتاب يجمع كل هذه المواد، لأن المعارض مكلفة جدًا، فيما الكتاب يمكن أن ينتقل ويصل إلى جمهور أوسع.
The post سيلين بورناند عن «بيت الحياة»: الأرشيف مليء بالفراغات first appeared on Mada Masr.
المصدر: مدى مصر (عربي)




