صدمة المونديال.. سؤال العدالة!
“ارفع رأسك فوق.. أنت مصري”.
كان استدعاء ذلك الهتاف، الذي تردد في ميدان التحرير عقب تنحي الرئيس الأسبق “حسني مبارك”، مجددا عقب خروج المنتخب الوطني من المونديال، لافتا بذاته.
إنها مشاعر الاعتزاز الوطني والشعور بالاستحقاق.
في ذروة ثورة “يناير” كان الهتاف بروحه ورسالته تعبيرا عن ثقة في النفس وأمل بالمستقبل.
وفي لحظة الهزيمة غير المستحقة من المنتخب الأرجنتيني بدا الهتاف نفسه تأكيدا على نفي أية مشاعر سلبية، وأن ما تحقق من تضافر شعبي استثنائي، امتد إلى العالم العربي كله، لا يصح أن يتبدد أبدا.
كانت تلك رسالة عفوية، لكنها بالغة الدلالة، من المشجعين المصريين، الذين ذهبوا لاستقبال منتخبهم عند مقر إقامته عقب انتهاء المباراة.
لم يكن يتوقع أحد، أن ينافس المنتخب المصري على البطولة، أو أن يلحق هزيمة بالمنتخب الأرجنتيني بطل العالم في النسخة الماضية من المونديال، أو أن يخرج من المسابقة بغير عدل، وبتدخل تحكيمي نددت به بعض أساطير كرة القدم العالمية، قائلة بوضوح: “إنها سرقة علنية”.
لماذا شعر المصريون بالصدمة؟!
الصدمة مستغربة بالنظر إلى الأجواء التي سبقتها، وقلة الثقة العامة في قدرة لاعبينا على المضي قدما بالمسابقة الدولية، لكنها تبدو طبيعية تماما بالنظر إلى ما أبداه اللاعبون المصريون وجهازهم الفني من تفان وإجادة في المباريات واحدة إثر أخرى والأجواء الاحتفائية، التي تعقبها.
بالمفارقة، فإن الحزن العام، الذي غمر عامة المصريين، عقب الخروج غير المستحق من المونديال إيجابي للغاية بذات قدر الدعوات المتواترة؛ لطي أية مشاعر حزن والتطلع إلى المستقبل بثقة إننا قادرون على صنعه في كافة الميادين شرط بذل الجهد وإتقان العمل.
أمام مقر الإقامة عبر هتاف آخر من كلمة واحدة تكررت بحماس بالغ: “رجالة.. رجالة” عن الجو العام هنا في مصر وبأي مكان عربي.
لم تخسر مصر، ولا كسبت الأرجنتين.
كسبت مصر ثقتها في نفسها، هذه مسألة تعوزها بقسوة.
كانت الدموع في عيون لاعبي الأرجنتين فور انتهاء المباراة، مثيرة بدورها.
لقد أفلتوا في الدقائق الأخيرة من هزيمة محققة على يد المنتخب المصري، لولا التحكيم المنحاز.
هناك مجموعتان من الأسباب، التي أفضت إلى قلب النتيجة في ربع الساعة الأخيرة.
أولها، كما لا بد أن نعترف حتى نتعلم من أخطاء التجربة تعود إلى منتخبنا، أخطرها قلة التركيز في الدقائق الأخيرة.
أية أخطاء فنية يمكن التعلم منها والبناء على خبراتها.
وثانيتها، فساد المنظومة الدولية في كرة القدم، وهذه مسألة تتعلق بحسابات ومصالح ومافيات تتحكم في التسويق على حساب العدالة.
في هذه الدورة بالذات، التي توصف من منابر رياضية عديدة، بأنها الأسوأ في تاريخ المونديال تأكد مدى فسادها.
توافرت الإمكانات الضخمة لتنظيم البطولة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، لكن غابت روح العدالة وقواعد اللعب النظيف.
بدا التدخل السياسي فاحشا بصورة غير مسبوقة.
منع حكم صومالي من دخول الأراضي الأمريكية عند وصوله إلى مطار ميامي، رغم حيازته تأشيرة دخول بحجة “مخاوف، تتعلق بإجراءات التدقيق الأمني”.
لم يعترض الفيفا على ذلك الإجراء التعسفي والعنصري: “لا نستطيع أن نتدخل في إجراءات الهجرة الخاصة بالدول المضيفة!”.
كانت تلك مجرد مقدمة لتدخلات أفدح وأخطر كطلب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، كما أعلن هو بنفسه بلا أدنى خجل: “مراجعة قرار منع مهاجم المنتخب الأمريكي بالوجون من اللعب أمام منتخب بلجيكا على خلفية حصوله على بطاقة طرد حمراء في المباراة السابقة”.
ألغى القرار فعلا، وفق إرادة “ترامب” لا القواعد الرياضية المستقرة.
كانت تلك فضيحة رياضية متكاملة الأركان.
على حساب أية قواعد رياضية لها صلة بالعدالة جرى التدخل بفجاجة من الرئيس الأمريكي والانصياع بمذلة من رئيس الفيفا “جياني إنفانتينو”.
“لم تكن هناك مخالفة، لم تكن حتى تستحق احتساب خطأ، كانا لاعبين يركضان بأقصى سرعة، واصطدما ببعضهما”!
هكذا نصب “ترامب” نفسه حكما رياضيا، يصدر قراراته الملزمة بأثر رجعي، متصورا أن مشاركة المهاجم الأمريكي في المباراة التالية أمام بلجيكا، يمكن أن تساعد على حسم المواجهة!
رياضيا، منيت الولايات المتحدة بهزيمة مخزية بأربعة أهداف مقابل هدف.
سياسيا، خرجت تظاهرات في العاصمة البلجيكية بروكسل، ترفع العلم الفلسطيني وتهتف بالحرية لشعبها نكاية في “ترامب”.
“إنفانتينو” نموذج للرياضي الانتهازي، وهو أحد رموز فساد المنظومة الكروية الدولية.
بادر من تلقاء نفسه باختراع جائزة جديدة، هي “جائزة الفيفا للسلام”، ومنحها إلى “ترامب” تعويضا عن عدم حصوله على جائزة “نوبل للسلام”!
كان ذلك رخصا سياسيا وأخلاقيا، لا يليق بأكبر منظمة رياضية في العالم.
لم يخف “إنفانتينو” تعاطفه مع المنتخب الأرجنتيني ومعاناته في مباراته مع منتخب “الرأس الأخضر”، لكنه في المباراة التالية مع مصر، كاد أن يكون مشجعا!
القضية الأخطر هي انحياز التحكيم والفار لصالح فريق بعينه لمصالح تسويقية غير خافية.
هنا تفقد الرياضة عدالتها ونزاهتها وتنافسيتها.
هناك من يأخذ على المدير الفني “حسام حسن” رفعه للعلم الفلسطيني ودفاعه عن عدالة القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في الحياة من على منبر أهم تجمع رياضي عالمي، كأنه سبب للتدخل التحكيمي الظالم ضد المنتخب المصري.
هو رجل لا يجيد الكلام، لكنه بدا عاطفيا وصادقا ومؤثرا في الكلمة التي ألقاها.
من يستخدمون هذه الحجة ضده يريدون بالأساس النيل من موقفه، لكنهم يغضون الطرف بنفس الوقت، عن أن قائد الفريق الآخر “ليونيل ميسي” له انحيازات معلنة وصريحة، تدعم دولة الاحتلال ورئيس الأرجنتين نفسه على ذات درجة الانحياز.
لم تكن مصادفة أن يرفع العلم الإسرائيلي بين مشجعي الأرجنتين، أو أن تجري اعتداءات على المشجعين المصريين، كما أكدت الإعلامية بقناة الجزيرة “خديجة بن قنة”.
في أي حساب أخير، فإن الدفاع باستقامة عن عدالة القضية الفلسطينية ورفع علمها بشجاعة شرف حقيقي، يستحق أية تضحية.
<p>The post صدمة المونديال.. سؤال العدالة! first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360



