صندوق النقد المُفترى عليه لا المفترِى علينا
لا يحتاج الأمر لاستطلاع رأى لاستقراء موقف المصريين من صندوق النقد الدولى، فبمجرد كتابة كلمتى «صندوق النقد» على صفحات التواصل الاجتماعى تتوالى اللعنات.
لقد بات واضحًا أن الناس فى بلادنا كفروا بالصندوق، لأنه ارتبط لديهم بأكبر موجة غلاء شهدوها فى حيواتهم.
منذ بدأت مصر برامج التعاون مع الصندوق عام 2016، عانى المصريون أزمات حادة نتيجة معدلات التضخم غير المسبوقة. خُفض سعر الجنيه عدة مرات، وأدى رفع الدعم تدريجيا عن الوقود إلى زيادة كلفة الانتقال، فتباطأت الحركة، انعصرت أسر، وانكمشت معايش، وقُيدت الوظائف الجديدة فى الجهاز الحكومى، فاتسعت دوائر البطالة.
من هُنا وصف بعض الإعلاميين الكبار الصندوق بأنه «صندوق النكد الدولى»، وتعرض لوصلات هجوم واسعة من نواب ومسؤولين وخبراء باعتباره أصل كل بلاء وأساس المشكلات كافة. ولم يكد الناس يسمعون تصريحات الدكتور محمد معيط، ممثل المجموعة العربية بصندوق النقد، بأن مصر سددت نحو 16 مليارًا من أصل 25.3 مليار دولار حجم قروض الصندوق لمصر، وأن برامج التعاون ستنتهى تمامًا فى نوفمبر القادم عقب المراجعة الثامنة والأخيرة، حتى تهللوا وسعدوا واستعدوا لجنى الثمار.
وبنهاية التجربة، صار مُهمًا تقييمها وتحليلها بهدوء وموضوعية، ليبرز السؤال الأول والأهم إن كان اتفاق مصر مع صندوق النقد عام 2016 ضروريًا ولازمًا أم لا؟
الإجابة التى سمعتها من مسؤولين واقتصاديين كثر داخل الجهاز الحكومى وخارجه هى «نعم» قاطعة، فلم يكن هناك بديل للصندوق بعد تجمد الاستثمار وانكماش الدخل وتراجع احتياطى النقد الأجنبى، واتساع الفجوة الدولارية، وصار واضحًا لدى المسؤولين أن مبدأ ترحيل المشاكل وتأجيلها يؤدى إلى تضاعف فى الخسائر والتدهور.
فالصندوق وقتها لم يكن مجرد مُقرض أموال، وإنما مانح شهادة ثقة، واقتصاد مصر كان فى حاجة ماسة لذلك لتجنب وضع مأساوى، وتشغيل النشاط الاقتصادى وجذب استثمارات جديدة والحصول على تمويلات إضافية. وأتذكر فى مرات عديدة زرت فيها الصندوق بواشنطن قبل وبعد الاتفاق اننى سمعت مصطلح «شهادة ثقة» الذى يمنحه الصندوق باعتباره أهم من التمويل المالى.
كذلك، فإن المسؤولين فى بلادنا كانوا يدركون عمق الاختلالات التى يعانيها الاقتصاد الوطنى، وأن كل قرار إصلاحى سيتم اتخاذه يحمل بالضرورة تبعات اجتماعية شديدة الوطأة. ومن الحكمة والسياسة أن تُحمَّل هذه القرارات إعلاميًا على الصندوق ليتحول إلى مصد للعنات الغاضبين من الضحايا، وما أكثرهم.
ولاشك أن الصندوق- رغم كل السلبيات المتصورة- ساهم فى تقليص الفجوات الهيكلية للموازنة المصرية، وساعد على تحقيق استقرار سوق الصرف الأجنبى والقضاء على أزمة السعرين والسوق السوداء للعملة الصعبة، وانعكس ذلك إيجابيًا على ارتفاع احتياطى النقد الأجنبى ليتجاوز 56 مليار دولار.
كما أنه أوجب على الحكومة تطبيق الشفافية فيما يخص المالية العامة، فألزم الشركات الحكومية بنشر بياناتها وموازناتها بما يعزز التنافسية.
كان التعاون مع الصندوق أثرًا لاختلال هيكل الاقتصاد لا سببًا فيه، وهو نتيجة لأزمة اقتصادية عاتية، ومن ثم فإن استسهال لعن الصندوق ووصمه بالتسبب فى معاناة الناس يجافى الحقيقة، لكن الأهم الآن فى تقديرى هو أن انتهاء عمل الصندوق لا يعنى زوال هموم الناس أو ضمان استقرار الأوضاع الاقتصادية، وبالتالى الاجتماعية، لأن هيكل الاقتصاد الوطنى مازال مختلًا، والقدرة على تحديد موارد مستدامة من العملة الأجنبية مازالت مقيدة.
صحيح أن مصر سددت ثلثى مديونيات الصندوق، لكنها فى الوقت ذاته ضاعفت مديونياتها الأخرى بفائدة مرتفعة ليقارب الدين الخارجى للبلاد 165 مليار دولار بنهاية مارس الماضى. كان جانب كبير من المديونيات الجديدة التى يتم اللجوء إليها اضطرارًا تُستخدم فى سداد مديونيات سابقة، لكن مع ارتفاع الفائدة وكلفة الاقتراض صارت أكثر من نصف الإيرادات مخصصة لخدمة الديون.
إن تتبع النمو المطرد للديون يوضح ببساطة خط التدهور المتوقع حال استمرار النهج كما هو، فمع بداية عمل مصر مع الصندوق كانت ديون مصر الخارجية 55.8 مليار دولار، ثُم قفزت فى 2017 إلى 82.8 مليار دولار، وتجاوزت فى 2018 96 مليار دولار، ثم 106 فى 2019، ومع الجائحة وصلت إلى 123 مليارًا ثم 163 مليار دولار بنهاية 2022، قبل أن تصل ذروتها عام 2023 لتبلغ 168 مليارًا.
ورغم شهادة الثقة التى حصلت عليها مصر بتعاونها مع الصندوق، فإن الاستثمارات لم تتدفق كما كان متوقعا بسبب ظروف إقليمية، مع اختلالات شكل المنافسة فى السوق وهيمنة القطاعات العامة على الأنشطة الاقتصادية.
لم يختلف خبراء الاقتصاد على أن علاج الأوضاع الاقتصادية يتطلب تغيير هيكل الاقتصاد من اقتصاد ريعى وخدمى إلى اقتصاد إنتاجى، وهذا لا يتم إلا من خلال مضاعفة الإنتاج والصادرات وجذب رؤوس أموال لكافة المجالات.
هذا والله أعلم.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة