عباقرة حُسن النوايا
يبدو أن الخليج يعيش في حيٍّ شعاره: «جارٌ من الشرق يعشق الفوضى، وجارٌ من الشمال لا ينام، ونحن مطالبون بأن نبتسم للجميع!».
كلما خرج مسؤول في إيران بتصريح ناري، خرج من المحللين عندنا من يقول: «لا داعي للقلق، إنها مجرد تصريحات»، مازال منا من يؤمن بأن كثرة التصريحات دليل على أنها لن تتحول إلى أفعال! رغم تلك الصواريخ والمسيّرات وكأن التاريخ كتب خصوصاً ليُكذّب نفسه حتى لا يزعج المتفائلين.
أما من جهة الشمال، فالأخبار لا تمنحك فرصة لالتقاط الأنفاس؛ وبين هذا وذاك، تجد من يقترح أن يكون الحل هو المزيد من البيانات الهادئة، وكأن البيانات الرسمية أصبحت سلاحاً إستراتيجياً يخشاه الخصوم أكثر من الجيوش.
الغريب أننا لا نختلف على وجود التهديد، بل نختلف على طريقة التعامل معه. فريق يرى أن الاستعداد واجب، وفريق آخر يخشى أن يزعج الاستعدادُ المعتدي! تماماً كصاحب المنزل الذي يرفض تركيب قفل جديد حتى لا يشعر اللص بالإهانة.
ثم يظهر فريق ثالث، وهو الأخطر، يكرر أن الخطر الحقيقي ليس خارج الحدود بل داخلها… لكنه يقصد بذلك كل شيء إلا أولئك الذين يحاولون بالفعل اختراق وحدتنا الخليجية، وبث الفرقة، واستغلال كل خلاف صغير ليصبح أزمة خليجية كبيرة.
لقد تطورت أدوات الصراع كثيراً. لم تعد الدبابة هي الوسيلة الوحيدة، بل قد يقوم بالمهمة هاتف صغير في يد شخص كبير في السذاجة، يعيد نشر كل إشاعة وهو يكتب بكل براءة: «وصلني… والله أعلم».
وفي كل مرة نتحدث عن وحدة الخليج، يخرج من يسأل: «وما الفائدة؟».
والجواب بسيط؛ إذا كانت العائلة الواحدة تتكاتف عندما يطرق الخطر بابها، فكيف بدول يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصير؟ أم أن بعضنا يظن أن الصاروخ، إذا قرر زيارة المنطقة، سيقف عند الحدود احتراماً لجوازات السفر؟
الحقيقة أن مجلس التعاون لم يعد ترفاً دبلوماسياً، ولا مناسبة لالتقاط الصور الجماعية. إنه ضرورة فرضتها الجغرافيا قبل السياسة. فمنطقتنا ليست حديقة عامة، بل واحدة من أكثر بقاع العالم حساسية، وكل من يمر بها يترك بصماته… أو يحاول.
لسنا دعاة حرب، والحرب لا يتمنى عاقل وقوعها؛ لكن السلام، كما يقول العقل قبل التاريخ، لا يعيش على حسن النوايا وحده؛ السلام يحتاج إلى قوة تحرسه، وإلى وحدة تمنع الطامعين من اختبار صبر الجيران.
ويبقى السؤال الذي يتكرر كل يوم، هل ننتظر حتى نتفق بعد وقوع الخطر، أم نتفق قبل أن يقرر أحدهم أن يختبر وحدتنا؟
التاريخ، للأسف، لا يمنح درجات على حسن النية… بل على حسن الاستعداد.
نقلاً عن الراي
المصدر: العربية – سياسة





