عصر مُبارَك
باختصار شديد: عصر مُبارَك هو ثلاثون عاماً من الاستقرار أعقبت ثلاثين عاماً من الحروب. ثلاثون عاماً ترافقت مع طفرة النفط وحاجة الخليج العربى للعمالة المصرية من الأرقى تعليماً ومن الأرفع خبرةً ومن الأعلى مقاماً حتى أبسط درجات السلم الوظيفى من العمالة غير الماهرة.
الأموال المتدفقة من الخليج وجدت فى الاستقرار الذى يبسط الأمان فى الداخل شريكاً مهماً فى إعادة بناء الحياة الاجتماعية وبالذات فى الريف الذى كان أغلبه مازال واقفاً عند ما ورد من أوصاف فى أدب توفيق الحكيم فى روايتى يوميات نائب فى الأرياف وعودة الروح، كان الريف المصرى عندما تولى مبارك رئاسة البلاد ليس أكثر من بيوت من طين يتعايش فيها الإنسان والحيوان وتفتقر إلى أبسط المرافق مثل الماء والكهرباء. كان الحصول على ثلاجة يستغرق زمناً طويلاً. كان الحصول على خط تليفون يستغرق سنوات طويلة.
كان الريف يتم تحميله فواتير ثلاثة عقود من الحروب. كان الريف يتم استنزافه بشرياً وموارد كما يتم تجاهل نصيبه من المرافق طوال السنوات العصيبة من ابتداء حرب اليمن ١٩٦٢ وحتى فض الاشتباك الأول ١٩٧٤ والثانى ١٩٧٥. المدارس تعمل فترتين فى اليوم الواحد، ليس فيها معامل ولا مكتبات بل ليس فيها دورات مياه، تعانى من نقص فادح فى المعلمين فى كل التخصصات، الفصول الإضافية كانت تُبنى من الخشب، التلاميذ يشربون من طرمبة حبشية أو من زير مصنوع من الفخار وفوقه غطاء من خشب وفوق الغطاء كوب ماء يستخدمه الجميع دون الحد الأدنى من النظافة أو حماية صحة الأطفال، كثير من المدارس كانت مبنية من الطين والطوب اللبن وينفق عليها الأهلون بما كانوا يسمونه الجهود الذاتية.
كل هذا تغير – بالتدريج – فى سنوات مُبارَك التى تزامنت مع نزوح المصريين – لأول مرة فى تاريخهم – للعمل فى الخليج بكثافة ظاهرة. لقد انتهت الثلاثون عاماً من عصر مُبارَك بريف مصرى جديد تماماً، ريف أدركته طفرة فى ثلاثين عاماً لم يعرف مثلها فى ثلاثمائة عام السابقة عليها. نستكمل غداً إن شاء الله.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة





