عقدة اسمها «الأردن»
لنحسم أولًا تلك السردية الإيرانية التي تحاول تبرير الاستهداف الإيراني الحاقد للأردن ودول المنطقة بالحديث عن الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها.
فعلاقات الأردن العسكرية والدفاعية مع الولايات المتحدة شأن أردني خالص، يقرره الأردن وحده وفق مصالحه ومتطلبات أمنه، ولا تحدده طهران ولا غيرها.
إيران ليست شرطي المنطقة، ولا وصاية لها على دول المنطقة الغير المطالبة باستئذان طهران قبل بناء تحالفاتها الاستراتيجية، ولا بتقديم كشف حساب لها عن شركائها العسكريين.
وسيادة الدول لا تصبح محل تفاوض لمجرد أن خياراتها وتحالفاتها لا تعجب النظام الإيراني.
فلا أحد في المنطقة طالب إيران بتقديم تفسيرات عن علاقاتها العسكرية. وبالتالي، فإن وجود قواعد عسكرية، سواء في الأردن أو في دول الخليج، مسألة سيادية تخص تلك الدول، وليست شأنًا إيرانيًا. أما الحقيقة التي لا تتحدث عنها طهران، فهي أن استهداف الأردن لا يبدأ عند قاعدة عسكرية ولا ينتهي باتفاقية دفاعية. إنه عداء قديم نما داخل النظام الإيراني حتى تحول إلى ما يشبه «العقدة».
فالأردن كان من الدول التي امتلكت وعيًا مبكرًا بحقيقة المشروع الذي جاء به الخميني عام 1979، ولم ينظر إلى شعار «تصدير الثورة» باعتباره قصيدة ثورية أو دعوة فكرية، بل مشروعًا يسعى إلى اختراق الدول العربية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية إيرانية فوقية، محمّلة بإرث من العقد التاريخية ونزعة الاستعلاء على محيطها العربي، واغتيال الهويات الوطنية الجامعة في كل دولة وجدت إيران فيها موطئ قدم. وما فعلته طهران لاحقًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن لم يكن سوى البرهان المتأخر على ما أدركه الأردن مبكرًا وحذّر منه.
وعندما قُطعت العلاقات ما بين البلدين العام 1981، خاض الأردن مواجهة أمنية طويلة مع محاولات الاختراق والتخريب. وهنا تحديدًا تشكّل جزء مهم من «العقدة الأردنية» لدى طهران؛ فالمخابرات الأردنية لم تكن خصمًا سهلًا لطهران، ولا لحليفها آنذاك في دمشق، حافظ الأسد. فقد أفشلت محاولات العبث بالساحة الأردنية وتصدير الفوضى الأمنية إليها. ومن يعرف تاريخ تلك المرحلة يدرك أن الأردن خاض فصولًا من معركة أمنية حقيقية، خرج منها أكثر صلابة، فيما خرج نظام الملالي وحليفه في دمشق برصيد ثقيل من الإخفاقات الأمنية في الساحة الأردنية.
ثم تغيّرت الأدوات، ولم يتغيّر الهدف!
فخلال سنوات حكم المخلوع بشار الأسد، واجه الأردن حربًا أخرى قادمة من الجنوب السوري: المخدرات والكبتاغون، حيث ازدهر «اقتصاد المخدرات» في بيئة تهيمن عليها ميليشيات طهران، وفي مقدمتها حزب الله، الذي لطالما وفّر سلاحه الحماية لشبكات التهريب ومعامل تصنيع المخدرات.
كانت حربًا قاسية خاضها الأردن لسنوات بشجاعة، وأفشل خلالها محاولات تحويل أراضيه إلى ممر للتهريب نحو السعودية والخليج.
ثم جاءت حرب غزة.
وجاءت محاولة أخرى لاختطاف الساحة الأردنية، عبر استثمار الغضب والتعاطف الشعبي مع غزة وتوجيههما للبحث عن مصادمات أمنية. وبينما كان أهل غزة يُقتلون على يد إسرائيل، كانت قيادات حماس تناضل من مقار إقامتها خارج القطاع، بالخطابات والتحريض ضد الدولة الأردنية.
واقعيًا، لم يكن حجم الدم الفلسطيني يومًا الرقم الأهم في حسابات حماس؛ الأهم كان ما تحتاجه طهران من هذه الحرب، من دون أن تدفع بجندي إيراني واحد.
وهذه ليست المرة الأولى التي تُؤجَّر فيها «البندقية الفلسطينية» لخدمة مشاريع الآخرين؛ إنها متلازمة قديمة. وما تغيّر هو الزمن فقط؛ فمع بروز الإسلام السياسي أُطيلت اللحية، أما المتاجرة بالقضية فهي ذاتها.
كان رهان طهران أن تفتح ثغرة في الساحة الأردنية باستخدام مأساة غزة. وهنا أيضًا فشلوا!
لذلك، لم تحمل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المتجهة إلى الأردن المتفجرات وحدها، بل حملت معها أربعة عقود من الحقد والفشل!
لقد فشلت إيران في تصدير فوضاها إلى الأردن، وفشلت في إدخال عناصر مخابراتها بجوازات مزوّرة للعبث بأمنه، ومنهم من يقدم نفسه اليوم صحفيًا ومحللًا وباحثًا في مراكز بحثية لا وجود لها إلا في الحرس الثوري، وفشلت في شراء الولاءات للتبشير بأيديولوجيتها الطائفية واختراق الداخل الأردني بالإغراءات المالية تحت لافتة «السياحة الدينية»، كما فشلت في تمرير «شركة» الحرس الثوري داخل مشاريع حيوية في الأردن تحت واجهة الاستثمار.
والآن يريدون تغليف الحقد بحكاية «القواعد الأمريكية».
لا، المشكلة ليست في القواعد العسكرية، ولا في الأمريكيين الذين أدّت لهم إيران أدوارًا قذرة، ثم تقاضت مكافأتها نفوذًا في ساحات عربية؛ بل المشكلة أن الأردن لم يكن يومًا قاعدة لمشروع طهران!
إنه حساب قديم مع دولة استعصى عليهم اختراقها، ومؤسسة أمنية أفسدت مشاريعهم، وشعب لم تنجح طهران في العبث بانتمائه. جرّبوا كل الأبواب، وفي كل مرة وجدوا الأردن مغلقًا في وجوههم.
المشكلة في الDNA الأردني؛ ببساطة، لا يقبلكم.
لذلك، بقيت هناك عقدة اسمها «الأردن»!
نقلاً عن “الأيام”
المصدر: العربية – سياسة





