على طهران أن تختار
عندما اجتمع قادة السعودية وباكستان وتركيا الأسبوع الماضي لصياغة اتفاق دفاعي جديد، شددوا على أن ميثاقهم لا يستهدف دولة بعينها. لكن ثمة دولة كانت، بلا شك، حاضرة في أذهان الجميع: الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لقد وضعت إيران نفسها في موقع الدولة الأكثر عداءً للغرب في المنطقة، ومن شأن تقارب ثلاث دول بارزة ذات أغلبية مسلمة ومتحالفة مع الغرب، اثنتان منها تتشاركان حدودًا برية مع إيران، أن يعكس مدى عزلتها. تحملت إيران شهورًا من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة من دون أن تُهزم، لكنها فعلت ذلك جزئيًا عبر شن هجمات متكررة على دول مجاورة تستضيف قواعد عسكرية أميركية. والآن أصبحت هذه الدول من بين الأطراف التي توحد صفوفها في مواجهة إيران، بموجب اتفاق وُقّع في مكة، أقدس مدن الإسلام، وحمل اسمها.
لا يمكن أن تغيب رمزية ذلك عن طهران؛ فأطراف “ميثاق مكة” تضم بعضًا من أقوى الدول ذات الأغلبية المسلمة في العالم: أكبر اقتصادين في المنطقة (تركيا والسعودية، وهما أيضًا الأكثر إنفاقًا على قواتهما المسلحة)، إضافة إلى القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي (باكستان).
لقد حافظت إيران تقليديًا على علاقات جيدة مع تركيا وباكستان، كما تجمعها بهما روابط ثقافية قوية تمتد قرونًا. وقد عملت الجمهورية الإسلامية مؤخرًا كذلك على تحسين علاقاتها مع السعودية، ولا سيما منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الرياض عام 2023.
لكن رغم ذلك، وضعت سياسات إيران الإقليمية البلاد في مواجهة مع هذه الدول وغيرها من جيرانها. فقد قدمت طهران دعمًا كاملًا لنظام بشار الأسد في سوريا، الذي أطاح به عام 2024 مقاتلون معارضون مدعومون من أنقرة والرياض، كما تبادلت القوات الإيرانية الضربات مع باكستان في 2024، وهاجمت السعودية خلال الأسابيع الأخيرة. وجرى اعتراض صواريخ إيرانية فوق المجال الجوي التركي في وقت سابق من هذا العام. وهاجمت ميليشيات مدعومة من طهران في اليمن والعراق مصالح سعودية. وبشكل أوسع، يتعارض موقف إيران المناهض للولايات المتحدة مع التوجهات الرسمية للدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة.
قد يشير المشككون إلى أن الاتفاق الدفاعي الجديد ربما لا يعني الكثير على أرض الواقع؛ فالسعودية وباكستان وقعتا اتفاقًا مشابهًا العام الماضي، لكنهما لم تفعّلاه عندما تعرضت السعودية لهجمات خلال الصراع الحالي. غير أن صياغة اتفاق مكة واضحة وحاسمة: “يُعد أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا”. يتضمن الاتفاق إنشاء منظمة جديدة تشرف عليها أمانة عامة مقرها السعودية، إلى جانب عقد اجتماعات دورية بين وزراء الخارجية والدفاع في الدول الثلاث، فضلًا عن قادة جيوشها. وقد شبه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان المنظمة الجديدة بحلف “الناتو”، وأشار إلى أن مصر، أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، يُرجح أن تنضم إليها. وفي المجمل، يشير الاتفاق إلى تحسن كبير في العلاقات بين تركيا والدول العربية، وهو تطور يمكن أن يسهم في تعزيز استقرار المنطقة بأسرها.
أما الأوساط الرسمية الإيرانية، فقد استقبلت أنباء ميثاق مكة في معظمها بقدر مدروس من اللامبالاة. وزعم متحدث إيراني أنه يرحب بالاتفاق باعتباره دليلًا على أن الدول الأعضاء لن تعود تعتمد على الولايات المتحدة. كما قال لي ناشط إصلاحي في المجتمع المدني إن اتفاق مكة قد يكون “فرصة وليس تهديدًا”، ملمحًا إلى إمكانية انضمام إيران إليه يومًا ما. لكن بعض السياسيين المتشددين بدوا أقل اطمئنانًا؛ فقد كتب إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة السياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، يوم السبت أن دول مكة الثلاث “لم تجد الطريق الصحيح بعد. ونحن نحذرها من الحسابات الخاطئة. ولن يمر أي خطأ من دون رد”.
لقد شجعت واشنطن منذ سنوات طويلة حلفاءها في الشرق الأوسط على العمل معًا. وخلال معظم فترة الحرب الباردة، نجحت التحالفات الإقليمية في التصدي للشيوعية السوفيتية والتيارات العربية الراديكالية، ما جعل الولايات المتحدة تشعر بالحاجة إلى التدخل في المنطقة على نحو نادر ولفترات قصيرة فقط. وكانت إيران عنصرًا أساسيًا في هذه المنظومة، إذ تدخلت إلى جانب السعودية في الحروب الأهلية في عُمان واليمن للمساعدة في هزيمة المتمردين المدعومين من الشيوعيين، كما ساهمت في تأسيس منظمة التعاون الإسلامي عام 1969. وكان الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون يعتمد بدرجة كبيرة على شاه إيران محمد رضا بهلوي للمساعدة في إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن صراعات الشرق الأوسط، حتى إنه قال له عام 1972: “احمني”. ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، ومعها بدأت حقبة جديدة من الفوضى والانقسامات.
لكن إيران ليست الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط المستبعدة من الترتيب الأمني الناشئ الذي ينذر به اتفاق مكة؛ فإسرائيل أيضًا غائبة عنه. وقد أدت “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 إلى تطبيع علاقات إسرائيل مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، لكن الجائزة الكبرى كانت دائمًا السعودية، التي اشترطت للاعتراف بإسرائيل إحراز تقدم نحو إقامة دولة فلسطينية. غير أن إسرائيل تتحرك حاليًا بعيدًا عن هذا الاحتمال بدلًا من الاقتراب منه. وباكستان أيضًا لا تعترف بإسرائيل، أما تركيا فتقيم علاقات دبلوماسية وعسكرية معها، لكن العلاقات بين البلدين شهدت تباعدًا خلال السنوات الأخيرة.
وإذا كانت إسرائيل لا تزال ترغب في السعي نحو اعتراف إقليمي أوسع بها، فقد تجد أن أفضل مسار أمامها هو إصلاح علاقاتها مع تركيا ومحاولة التوصل إلى حل وسط مع السعودية. فهذان البلدان على الأقل لا يحملان تجاه إسرائيل مستوى العداء العميق الذي تحمله إيران.
وستجد إيران بدورها أمام خيار؛ فإما أن تواصل دعم الميليشيات وزعزعة استقرار المنطقة، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من عزلتها، وإما أن تتبنى التوافق الإقليمي القائم على التنمية الاقتصادية والمصالحة الدبلوماسية وحل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بعبارة أخرى، تستطيع الجمهورية الإسلامية إما أن تواصل الوقوف في مواجهة ما تمثله مكة، أو أن تتخلى أخيرًا عن طموحاتها الثورية.
نقلاً عن “The Atlantic”
المصدر: العربية – سياسة





