عندما حكمت الأيديولوجيات المتطرفة!
ليست كل أزمات الدول ناتجة عن ضعف الاقتصاد أو سوء الإدارة، فبعضها يبدأ عندما تتحول السلطة من وسيلة لإدارة المجتمع إلى أداة لفرض رؤية أيديولوجية واحدة، فيتحول الخلاف السياسى إلى صراع على هوية الدولة، وتصبح المؤسسات معبرة عن الجماعة أكثر من كونها معبرة عن الوطن.
ولا تكمن المشكلة فقط فى المرجعية الدينية أو الفكرية، بل أيضاً فى تحويلها إلى المصدر الوحيد للشرعية السياسية؛ فعندما تحتكر فئة ما الحقيقة، تضيق مساحة التعددية، وتتراجع المواطنة المتساوية، وتحل اعتبارات الولاء محل الكفاءة، فتضعف المؤسسات وتتآكل ثقة المواطنين فى الدولة، كما تنعكس هذه الرؤية على السياسة الخارجية، إذ غالباً ما تتقدم الاعتبارات الأيديولوجية على المصالح الوطنية، بما يقود إلى العزلة أو التوترات الخارجية.
وقد شهد العالم نماذج عديدة تؤكد هذه الحقيقة؛ ففى مصر خلال حكم جماعة الإخوان، تجاوز الخلاف حدود الأداء الحكومى إلى هوية الدولة نفسها، خاصة مع الإصرار على تغليب مشروع الجماعة على مفهوم الدولة الوطنية، وهو ما أفضى إلى حالة استنكار غير مسبوقة انتهت بخروج الملايين فى ثورة 30 يونيو 2013 لاستعادة وطنهم. ولم تكن مصر باستثناء؛ ففى السودان، أسهم تداخل المشروع الأيديولوجى مع السلطة فى تعميق الانقسامات الداخلية، وتزامن مع حروب أهلية وأزمات اقتصادية وعزلة خارجية، ثم انفصال جنوب السودان، إلى أن سقط النظام عام 2019.
أما إيران، فمازال نموذجها يثير جدلاً مستمراً حول العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية، بينما أدى تغليب التفسير الدينى المتشدد فى أفغانستان إلى عزلة دولية وتراجع مؤسسات التعليم والاقتصاد والإدارة.
وفى المقابل، تؤكد تجربة كمبوديا فى عهد الخمير الحمر أن الخطر لا يرتبط بالدين وحده، بل بكل أيديولوجيا تدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة وتسعى إلى إخضاع الدولة لرؤيتها؛ فقد انتهت التجربة الشيوعية المتطرفة إلى إضعاف المؤسسات، وإقصاء المخالفين، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المجتمع.
إن الدرس الذى تقدمه هذه التجارب هو أن استقرار الدول لا يتحقق إلا ببناء مؤسسات قوية، ودساتير تحمى الحقوق، وقواعد ديمقراطية تضمن تداول السلطة، بحيث تبقى الدولة فوق جميع الأيديولوجيات، ويظل القانون المرجعية العليا للجميع، فلا تتحول السلطة إلى أداة لفرض عقيدة، بل وسيلة لإدارة التنوع وتحقيق المصلحة الوطنية.
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)