غياب السياسة!
كثيرة الأخطار المحدقة بلبنان. عدوان إسرائيلى مستمر بدرجات متفاوتة تصل فى أقصاها إلى حرب إبادة جزئية فى جنوب لبنان وشرقه. أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة تغطيها جزئيًا المساعدات التى يرسلها مغتربون لبنانيون إلى أهلهم بشكل منتظم. أزمة اجتماعية حادة بفعل تهجيرعدد كبير من سكان الجنوب الذين دُمرت بلداتهم وقراهم وهُدمت منازلهم فى حرب الإبادة الجزئية.
ولكن ربما يكون الخطر الأكبر الذى يواجه لبنان هو غياب السياسة التى ساعدت فى حل مشكلات كبيرة ومواجهة تحديات عظيمة. اشتُهر لبنان لفترة طويلة بقدرة الأحزاب والحركات السياسية فيه على التفاهم فيما أُطلق عليه ديمقراطية توافقية، بل قام النموذج اللبنانى أصلاً على هذه الديمقراطية التى تتيح فرصًا واسعة للمشاركة فى السلطة. ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث فى منتصف العقد الأول فى هذا القرن عندما حدث أكبر انقسام فى تاريخ لبنان. فقد انقسمت الساحة السياسية إلى قسمين كبيرين هما «8 آذار» و»14 آذار». انقسام عميق تجاوز السطح السياسى إلى المجتمع على نحو ربما يجيز القول إنه قسم لبنان إلى لبنانين. ضم تحالف «8 آيار» حزب الله وحركة أمل والتيار الوطنى الحر وعددًا من الأحزاب والتيارات الصغيرة مثل الحزب السورى القومى الاجتماعى وتيار المردة والتنظيم الشعبى الناصرى وحزب البعث، وحزب الطاشناق (أرمنى). أما تحالف «14 آذار» فقد ضم تيار المستقبل والحزب التقدمى الاشتراكى، قبل أن ينسحب ويعلن التزامه الحياد، وحزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار ولقاء قرنة شهوان وحركة اليسار الديمقراطى وحركة التجدد الديمقراطى.
ومع ذلك كان ممكنًا تجاوز هذا الانقسام عبر تفاعلات أفضت إلى تشكيل ائتلاف انتخابى ضم أبرز الأحزاب والتيارات فى كل من القسمين. بدأ ذلك الائتلاف باتفاق رباعى ضم تيار المستقبل والحزب التقدمى الاشتراكى من جبهة «14 آذار»، وحزب الله وحركة أمل من جبهة «8 آذار». وحدث ذلك بفضل السياسة التى أخرجت لبنان حينها من أزمة الانقسام العميق والخطير. فمن يُخرجه من أزمته اليوم بعد أن غابت هذه السياسة بصراعاتها وتوافقاتها.
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة




