في إسرائيل.. الأرض متوقفة عن الدوران
بينما أنت تقرأ الجريدة وقبل الوصول للصفحة الأخيرة سيكون هناك ثمة تحول حدث في الشارع الإسرائيلي، الأمر ببساطة أن الكرة الأرضية تدور وتدور ويشعر بذلك كل سكان الأرض، ولكنها في إسرائيل متوقفة لأن القيادة السياسية العجوز كلها تتزاحم على الركوب في عربة التطرف، باعتباره مدعاة ترهب الناخبين ثم تجذبهم
بالتالي هي أزمه سياسية بامتياز وحالة من الشيخوخة تعصف بالمستوى السياسي الإسرائيلي الذي يتخذ من الملف الأمني مجرد ذريعة، وهو الملف الذي صنعوه وأوهموا شارعهم عبره على مدار عقود أن المحيط العربي خطر حقيقي وأن التعايش مستحيل، وأن إسرائيل يجب أن تكون منفردة قوية متفرّدة تفرض على المحيط ما تريد بما في ذلك الماء والهواء وحتى شروق الشمس وغروبها، فمن نتائج عقدة التطرف أنه يترك صاحبه متمسكاً بجدران العزلة.
أما في بقية العالم وحيث الكرة الأرضية تدور بشكل طبيعي، كان العالم يتقدم بشكل مذهل خلال العقود الماضية، فقد أصبح أكثر انفتاحاً من الماضي كله ويزداد، ثم هو بحجم كسره للأسوار والقيود تصبح البيوت متقاربة، فالعولمة والتطرف نقيضان لا يلتقيان، لذلك هي دخلت كل الأبواب المفتوحة، ودخلت من النافذة وحتى مع نسمات الصباح وشعاع الشمس لتمنح البشرية عملية تفاعل وتكامل بين الناس والأجناس، والشركات والمؤسسات والحكومات، فأصبح إبنك لا يشتري من دكان الحي فقط ولكن يمكنه أن يفتح نافذة الكرة الأرضية، فالعالم قريبٌ، قريب بفضل التبادل الحر للمعلومة والثقافة والتكنولوجيا والسلع، ثم عبور رؤوس الأموال بين وما بعد الحدود، في ظاهرة إنسانية فريدة اختصرت كل شيء وأعادت رسم مستويات جديدة وتعاون بين الدول وتسهيل انتقال وانتشار التقنيات بما فيها ما يتعلق بعنصر القوة بحيث تتكئ الدول فيها على بعضها البعض، مما يقلل المسافات والصراعات ويضع الجميع في مركب يسير للأمام تباعاً على طريق اختفاء الحروب التي ستظل ترحل إلى حيث يجلس كلٌ من العجز والأيديولوجيا.
بينما في إسرائيل القصة مختلفة تماماً، فهناك خلف الجدران التي صنعها الساسة هروباً من الاستحقاق السياسي المطلوب منهم على المستوى الدولي، هناك سوف تستمر بسماع أخبار الحرب القادمة وما بعد القادمة وما بعد.. بعد ما سيحدث بعد مئة سنة، لأن خطراً كامناً في المحيط القريب والبعيد، فقد تمت الموافقة قبل أيام على تعبئة واسعة النطاق للاحتياط تصل إلى 280 ألف جندي لأن تغيير خرائط المنطقة سيتم بالقوة وأمام نظر العالم، دون أن يدرك المستوى السياسي الإسرائيلي أن حروبه تحولت إلى أزمه عالمية، ولكنه يصر على هذه الحروب، لأن الحرب وعقدة التفوق هي (أيديولوجيا) على خلاف كامل مقتنيات العصور من علم السياسة، أن الحرب كانت لهدف وتنتهي به أو معه، وهو ما يعيشه المستوى السياسي الإسرائيلي بأنه ينتقل من حرب إلى حرب، ويسير نحو عملية استعصاء تشبه عقدة الاكتناز القهري عند مرضى الحالات النفسية المستعصية، وهو ما جعل مصالح المستوى السياسي الإسرائيلي والعالم في تناقض تجاوز مرحلة النقد نحو الاشتباك اللفظي والذي وصل حتى في صميم السياسة الأمريكية، فما تريده أمريكا ويناسب مصالحها ويحدث تبدلاً إيجابياً عاماً في المنطقة لا يرضي إسرائيل، التي كان المستوى السياسي فيها يتحدث قبل أكثر من عام عن مظلومية غريبة وطريفة في آن، فقد انتقد نتنياهو دولاً أوروبية بذاتها، ومؤسسات ومنظمات وشخصيات عالمية، ثم اقترب هذا المستوى كثيراً من أماكن الأزمات الداخلية في المنطقة في محاولة لتحريكها واستغلالها، وهكذا نجح نتنياهو بالفعل في تحقيق مأثرة ومعادلة سياسية، فقد أصبح بمقدوره زيارة “صوماليا لاند” متى شاء وسوف يفعل ذلك نكاية بالدول الأوروبية التي ترفض استقباله، لكن ما هو أكيد أن الشارع الإسرائيلي سيصل إلى نتيجة يدرك فيها أن المستوى السياسي الحالي إنما يعزلهم خلف الجدران التي تأخذهم بعيداً ولأسباب ومصالح حزبية ضيقة، في الوقت الذي تحتاج الدنيا الجديدة انسجاماً مع العالم والعولمة بما يحفظ الحقوق والثقافات ويفتح نافذة نحو المستقبل الآمن للجميع. فالمستوى السياسي في إسرائيل هو من يخترع الرعب وهواجس الأمن ويريد من الجميع تصديقه، لكن أحداً في العالم لا يستطيع أن يكون مستواه العقلي في هذا المُتخيل الضيق.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)