في مسألة التحالفات الدفاعية
فى لحظات الفوضى الإقليمية لا يصبح الأمن شأنًا عسكريًا محضًا، بل يتحول إلى سؤال فى هندسة القوة نفسها. فحين تتسع دوائر التهديد، وتضطرب الحسابات، وتتراجع قدرة الضمانات المنفردة على حماية المصالح الحيوية، فإن الدولة التى تريد السلام لا تستطيع أن تتصرف وكأن السلام قائم بذاته، بل عليها أن تبنى من القوة ما يجعل الاعتداء مُكلفًا ومن الشراكة ما يجعل الردع قابلًا للتصديق. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التحرك السعودى الأخير، المتمثل فى بناء تحالفين دفاعيين مُهمين، بوصفه محاولة لإعادة ترتيب ميزان القوة لا لإشعال حرب جديدة.
فخلال الأسبوع الماضى، ظهرت مبادرتان سعوديتان تحملان دلالتين متكاملتين فى هذا الصدد. الأولى تتصل بإنشاء تحالف بحرى متعدد الأطراف لحماية الملاحة فى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وقد أبدت ١٤ دولة، من بينها مصر، دعمها للمبادرة، فى اجتماع شاركت فيه دول وشركاء دوليون أوسع عددًا. والثانية تمثلت فى توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذى ينص على أن الاعتداء على دولة منها يعد اعتداء على الدول الثلاث. وبين حماية الممرات البحرية وبناء المظلة الدفاعية يتشكل معنى أوسع؛ وهو الانتقال من الاعتماد على قوة منفردة إلى بناء شبكة من القوى المتعاونة.
وليست هذه فكرة طارئة على التاريخ؛ فالنظام الدولى الحديث يقدم أمثلة كثيرة على أن التحالفات قد تكون أداة للردع بقدر ما تكون أداة للحرب. لقد نشأ حلف شمال الأطلسى (الناتو) فى بيئة أوروبية مُمزقة بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن هدفه المُعلن شن الحرب وإنما جعل الحرب غير مجدية بالنسبة إلى من يفكر فى إشعالها. ومع مرور العقود أصبح التهديد المتبادل بين الكتلتين الشرقية والغربية جزءًا من معادلة الاستقرار الأوروبية، ثم تطور الحلف بعد الحرب الباردة من أداة احتواء إلى بنية أمنية أوسع. وفى هذا المعنى لم تكن قوة التحالف فى مجموع ترساناته فحسب، بل فى وضوح الالتزام السياسى الذى يقف خلفها.
والقاعدة الجيوسياسية هنا بسيطة وعميقة فى آن؛ فالقوة التى لا يراها الخصم قوة قابلة للاستخدام تظل قوة نظرية. أما حين تتجمع قدرات عسكرية واقتصادية وتقنية وجغرافية متباينة داخل إطار سياسى واضح، فإن حسابات الخصم تتغير. يصبح عليه ألا يسأل عن قدرة دولة واحدة على الرد وإنما عن حجم الكلفة التى يمكن أن يواجهها إذا امتد الاعتداء إلى شبكة من الشركاء. وهذا هو جوهر الردع: ليس خوض الحرب وإنما إقناع الطرف الآخر بأن ثمنها أعلى من مكاسبها المتوقعة.
وتكتسب المبادرة البحرية السعودية أهمية خاصة، لأن البحر الأحمر ليس ممرًا محليًا. باب المندب إحدى نقاط الاختناق الكبرى فى شبكة التجارة والطاقة العالمية. وما يحدث فيه لا يبقى محصورًا فى سواحله؛ فاضطراب الملاحة يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويطيل مسارات السفن، ويضغط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك، فإن حماية هذا الممر ليست دفاعًا عن مصلحة سعودية أو عربية فقط وإنما مساهمة فى حماية مصلحة دولية مشتركة. وكلما اتسعت قاعدة المشاركين فى حمايته ازدادت شرعية المهمة وتوزعت أعباؤها وتراجعت قدرة أى طرف مُسلح على تحويل الممر إلى رهينة جغرافية.
أما الاتفاق الثلاثى فيضيف طبقة أخرى من الردع. فالسعودية تملك موقعًا استراتيجيًا وموارد اقتصادية وقدرات عسكرية متنامية. وتركيا تملك جيشًا كبيرًا وعضوية فى «الناتو» وصناعات دفاعية متقدمة. وباكستان تمتلك قوة عسكرية كبيرة وقدرة نووية وخبرة طويلة فى إدارة بيئة أمنية شديدة التعقيد. جمع هذه المزايا لا يصنع بالضرورة حلفًا عسكريًا مكتمل البنية منذ يومه الأول، لكنه يرفع قيمة الشراكة ويخلق إطارًا مؤسسيًا يمكن أن تتطور داخله التدريبات والتنسيق والتسليح وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك.
والأهم أن التحالفات الناجحة لا تقوم على القوة وحدها. إنها تحتاج إلى وضوح فى الالتزامات وانضباط فى القرار وآليات تمنع سوء التقدير وتُبقى الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية. ولهذا ارتبط تاريخ التحالفات الكبرى فى التجربة الغربية بمفهومين متلازمين: الردع والحوار. فالقوة التى تمنع العدوان تكون أكثر فاعلية حين تقترن بقنوات سياسية تمنع تحول الردع نفسه إلى دوامة تصعيد.
ومن هنا فإن قيمة المبادرتين الأخيرتين لا تكمن فى عدد الدول ولا فى البيانات وحدها، وإنما فى قدرتهما المحتملة على تحويل الجغرافيا المُهددة إلى شبكة أمنية. فالفوضى تزدهر حين تكون الدول متفرقة والتهديدات مُجزأة والاستجابات منفردة. أما حين تتقاطع المصالح وتتصل القدرات وتصبح كلفة الاعتداء قاسية فإن ميزان الحسابات يتغير.
وإذا نجحت الرياض فى تحويل هذين المسارين إلى مؤسسات حقيقية لا إلى ترتيبات ظرفية، فإنها لا تكون قد أضافت تحالفين إلى خريطة الشرق الأوسط فحسب، بل تكون قد شاركت فى إعادة تعريف معادلة الأمن فيه.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة





