كيف تدير الصين النقص في إمدادات النفط؟
(الخلاصة: صمد سعر الخام لاعتبارات منها تراجع الطلب المستورد، وفي مقدمته الصين، الذي تزامن مع السحب من المخزونات الاستراتيجية للدول المستوردة، وبالتأكيد للتحويلات اللوجستية عن مضيق هرمز بقيادة السعودية، وزيادة الصادرات الأميركية. غير أن هذا التماسك يستهلك مخزون الأمان ولا يلغي خطر قفزة سعرية متأخرة في حال استمرار نقص إمدادات الطاقة).
لا يصح القول أن أسعار النفط لم ترتفع، بل الأدق أنها لم تستقر عند مستوى يوازي جسامة صدمة الإمداد التي أحدثتها الحرب الأميركية-الإيرانية، فقد تجاوز سعر خام برنت 126 دولارًا للبرميل في نهاية شهر أبريل 2026، ثم عاد إلى نطاق 100 – 110 دولار في مايو. لذلك فالمشهد هو تماسك نسبي في سعر الخام القياسي، لا انحسار للضغوط النفطية، إذ بقيت هوامش المنتجات المكررة مرتفعة على نحو استثنائي.
ومع ذلك ليس بالإمكان إهمال تأثير آليات التكيّف التي ساهمت مساهمة جوهرية في “ضبط” أسعار النفط في “عقال” لم تفلت منه حتى الآن، فقد هبط تدفق النفط عبر مضيق هرمز من نحو 22 مليون برميل يوميًّا في الربع الأخير من 2025 إلى نحو 5 ملايين برميل في الربع الثاني من 2026، أي بانخفاض قدره 77 %. غير أن السوق لم تكن مطالبةً بتعويض كامل هذا الفاقد فورًا، إذ تحولت بعض صادرات دول مجلس التعاون وتحديدًا السعودية والإمارات، وأُفرج عن مخزونات الطوارئ، وزادت الولايات المتحدة صادرات الخام والوقود. ولقد كان للسعودية دور جوهري في تخفيف صدمة العرض، إذ أعادت توجيه جزء من خامها عبر خط الشرق–الغرب إلى ينبع، فارتفع العبور عبر باب المندب من 5.4 مليون برميل إلى ما يزيد عن 8 مليون برميل يوميًّا. لكن هذه المسارات – بطبيعة الحال- لا تعوض كامل الإمدادات المتعطلة.
وبموازاة هذا البعد اللوجستي، ظل التنسيق السعودي داخل أوبك بلس أداة لإدارة الاستجابة الجماعية. ففي أغسطس قررت السعودية مع ست دول أخرى تعديل الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًّا اعتبارًا من سبتمبر، مع الإبقاء على الاجتماعات الشهرية وتأكيد استقرار السوق. ولا يعادل ذلك الفاقد عبر هرمز، لكنه يبرز قيمة القيادة التنسيقية والقدرة على مواءمة الإنتاج مع تطورات السوق.
وفي جانب الطلب برزت الصين بوصفها عامل موازنة، فقد بلغ متوسط وارداتها في يونيو ويوليو أقل من 8 ملايين برميل يوميًّا، أي أقل بما يزيد عن 4 ملايين برميل يوميًّا (ما يعادل 35 % من متوسط الأشهر الثلاثة السابقة للحرب) وخفضت المصافي التشغيل إلى نحو 8.5 مليون برميل يوميًّا، مع السحب من المخزونات وتقييد المشتريات عند الأسعار المرتفعة، فخفّت المنافسة على الشحنات المتاحة في السوق الآسيوية.
ومكن المخزون الاستراتيجي للصين (نحو 1.5 مليار برميل) الصين من امتلاك المرونة لتتكيف -وتساعد في تكييف العالم- مع صدمة الإمدادات، ولا تفصح الصين عن كامل تفاصيل مخزونها إن كان حكوميًّا أو للقطاع الخاص، وهو بذلك يختلف عن الاحتياطي الأميركي الحكومي المنفصل، وعن نظام وكالة الطاقة الدولية القائم على حد أدنى قدره 90 يومًا من صافي الواردات وإفراج منسق، إذ أتاح الأعضاء 400 مليون برميل في مارس 2026، منها نحو 172مليونًا من الولايات المتحدة.
لكن توازن سوق الخام لا يعني توازن سوق الوقود. فالقيد انتقل إلى تكرير الخام ونقله وتوزيعه في صورة ديزل أو بنزين أو وقود طائرات، فقد تراجع تشغيل المصافي العالمية في يوليو بنحو 5 ملايين برميل يوميًّا عن العام السابق، بالتزامن مع نقص صادرات الديزل ووقود الطائرات. لذلك اتسعت هوامش التكرير أسرع من سعر الخام. وهكذا، فيمكن الخلوص للقول بأن تماسك أسعار الخام مؤقت وهش، استنادًا إلى أنه نتج عن تراجع الطلب من ناحية والسحب من المخزون وليس استناداً إلى إمدادات بديلة.
كيف تبدو آفاق سعر الخام؟ تتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب العالمي 1.6 مليون برميل يوميًّا في 2026، ومع ذلك تتوقع عجزًا قدره 1.8 مليون برميل يوميًّا في الربع الثالث (الحالي). ولعل من المهم تتبع تأثير صدمة الإمدادات النفطية على مؤشر الأسعار، فعلى الرغم من أنه لا يصح عزو جل التضخم الأميركي (آخر قراءة 3.4 %)، لكن في الوقت نفسه لا يمكن إهمال أن وتيرة أسعار منتجات الطاقة تتصاعد، فبالمقارنة مع 3.4 % الإجمالية، نجد أن مؤشر سعر الطاقة ارتفع 14.7 % والبنزين نحو 25 %.
وأعود لنقطة البداية للقول: إذا امتد أمد نقص الإمدادات وعادت الصين إلى الشراء بقوة أو تعطلت طاقة تكريرية إضافية، فستظهر الضغوط أولًا في المنتجات فترتفع أسعارها ثم ترتد إلى الخام لتزيد أسعاره كذلك.
مؤسس مركز جواثا الاستشاري
نقلاً عن “البلاد”
المصدر: العربية – سياسة