لبنان بين إصلاح المصارف وكلفة الحرب.. هل تقترب أموال المودعين من الحل؟
بعد أكثر من 83 جلسة مباحثة مع وفد صندوق النقد الدولي، أقرّ لبنان قبل نحو أسبوعين قانون إصلاح وضعية المصارف، في خطوة يقول وزير المال ياسين جابر إنها جاءت منسجمة مع ما جرى التوافق عليه مع الصندوق، وبما يراعي المعايير الدولية المطلوبة ويعزز ثقة المجتمع الدولي بالإصلاحات اللبنانية.
وأوضح جابر في تصريحات لموقع “العربية Business”، أن قانون إصلاح وضعية المصارف يشكل جزءًا من مسار تشريعي متكامل لمعالجة القطاع المصرفي، سبقه إقرار قانون رفع السرية المصرفية، فيما يبقى قانون الفجوة المالية قيد الدراسة أمام لجنة المال والموازنة النيابية.
وأكد أن الهدف من التشريعات الجديدة لا يقتصر على معالجة تداعيات الأزمة المالية والمصرفية التي بدأت عام 2019، بل يتجاوزها إلى إعادة تنظيم العمل المصرفي ووضع الأطر الكفيلة بمنع تكرار ما حدث، بما يرسخ أسسًا أكثر متانة للقطاع المالي في المستقبل.
تنسيق مستمر مع صندوق النقد
وفي تعليقه على ترحيب صندوق النقد الدولي والسفارة الأميركية في بيروت بإقرار قانون إصلاح وضعية المصارف، أشار إلى أن المجتمع الدولي “تواقٍ إلى إجراء الإصلاحات في لبنان”، معتبرًا أن أي خطوة في هذا الاتجاه تلقى ترحيباً.
ولفت جابر في حديثه لموقع “العربية Business” إلى أن وزارة المال كانت على تنسيق مستمر مع صندوق النقد خلال إعداد القانون، بهدف ضمان توافقه مع المعايير الدولية المطلوبة. إلا أن جابر يرى أن الخطوة الأهم تبقى إقرار قانون الفجوة المالية، باعتباره المدخل الأساسي لمعالجة قضية أموال المودعين.
وأعرب عن أمله في إقرار القانون قبل نهاية العام الحالي، مؤكدًا أن التنسيق مع صندوق النقد سيستمر لضمان توافق التشريع مع المعايير الدولية، بما يسمح بوضع ملف الودائع على “السكة الصحيحة”.
فتح باب التصدير إلى السعودية
وفي ملف العلاقات الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية، اعتبر جابر أن فتح باب التصدير اللبناني إلى المملكة يعكس الثقة بأداء الحكومة اللبنانية وبالإجراءات التي اتخذتها المؤسسات المعنية، ولا سيما المديرية العامة للجمارك.
وأوضح أن الحكومة عملت على تعزيز المؤسسات وتطبيق أفضل الممارسات في مجال الرقابة، خصوصًا في ما يتعلق بالمسوحات الضوئية وتأمين حمايتها، مشيرًا إلى أن سفير المملكة العربية السعودية في لبنان، فهد الدوسري، اطلع خلال زيارته الأخيرة إلى مصنع في منطقة البقاع على إجراءات الرقابة المعتمدة على الصادرات.
ورأى جابر أن هذه الخطوة تمثل بداية لمسار يمكن أن يتوسع في المرحلة المقبلة، معربًا عن أمله في أن يتحسن الوضع الأمني في لبنان بما يسمح باستئناف استقبال السياح السعوديين والخليجيين.
وأكد أن المملكة العربية السعودية “لطالما احتضنت لبنان على مر التاريخ”، مشيرًا إلى وجود آلاف العائلات اللبنانية العاملة في المملكة، حيث تحظى، بحسب قوله، بأفضل المعاملة.
وشدد على أن عودة الأمن والاستقرار، إلى جانب تعزيز الإصلاحات التشريعية والتطبيقية، تشكل المدخل الأساسي لاستعادة ثقة المجتمع العربي والدولي بلبنان، وتهيئة الظروف لإعادة جذب مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الذين لطالما دعموا لبنان وساندوه في مختلف الظروف.
12 مليار دولار حد أدنى لخسائر الحرب
وفي الشق الاقتصادي، علّق جابر على تقرير للبنك الدولي توقّع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4%، مشيرًا إلى أنه كان قد توقع منذ اندلاع الحرب أن يتراوح الانكماش خلال العام الحالي بين 7 و10%.
وقال إن لبنان لا يزال يعيش تداعيات الحرب، ولا سيما في المناطق الجنوبية، حيث يستمر القصف والدمار، معتبرًا أن النتائج “كارثية على الأصعدة كافة”.
وأشار إلى أن البنك الدولي قدّر خسائر الحرب التي شهدها لبنان عام 2024 بنحو 7 مليارات دولار، على صعيد الأضرار التي لحقت بالمباني والمنشآت، إلا أن تقديرات الأضرار الحالية تشير إلى أن الخسائر باتت تتجاوز، في حدها الأدنى، 12 مليار دولار، في ظل وجود قرى وبلدات في الجنوب “مُسحت بالكامل”، بحسب تعبيره.
استقرار نقدي رغم قسوة الأزمة
ورغم صعوبة المشهد الاقتصادي والإنساني، رأى جابر أن الحكومة تمكنت من تحقيق عدد من النتائج الإيجابية، بالتنسيق مع مصرف لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بالحفاظ على استقرار سعر الصرف وإدارة السيولة في البلاد.
كما أشار إلى نجاح الدولة في تأمين رواتب وأجور العاملين في القطاع العام، والوفاء بجزء من متوجباتها بالعملة الصعبة، إلى جانب استمرار خدمات الاستشفاء ودعم النازحين.
وخلص جابر إلى أن الحكومة نجحت “إلى حد ما” في إدارة عدد من الملفات الأساسية، إلا أن الأزمة لا تزال قائمة، خصوصًا في ظل حجم الدمار الهائل والحاجة إلى إعادة الإعمار، التي وصفها بأنها ستكون مرحلة صعبة تتطلب جهودًا كبيرة لتجاوزها.
وبين الإصلاحات المالية والمصرفية، ومحاولات استعادة الثقة العربية والدولية، والتعامل مع تداعيات الحرب وكلفة إعادة الإعمار، يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية سيكون نجاحها مرتبطًا بقدرته على استكمال الإصلاحات، وترسيخ الاستقرار، وفتح الطريق أمام استعادة النشاط الاقتصادي والثقة بالاقتصاد اللبناني.
المصدر: العربية – اقتصاد




