لغز “الذهب الأبيض” في السودان.. شحنات الصمغ تختفي
رجوعما يعرفه ريفو عن الخبر
- تواجه صناعة الصمغ العربي في السودان أزمة حادة بسبب تراجع الإنتاج بنسبة 60% وتأثرها المباشر بآثار الحرب.
- تتعرض أشجار الهشاب للقطع لإنتاج الفحم مما يهدد الموارد الطبيعية ويستغرق تعويضها سنوات طويلة.
- تثير عمليات التهريب عبر مسارات غير رسمية مخاوف من فقدان السودان لهويته التجارية ومنشأ منتجه في الأسواق العالمية.
- يواجه القطاع مخاطر فقدان المزايا التجارية والقدرة على المنافسة أمام موردين بديلين في حال استمرار عدم استقرار الأوضاع.
يواجه الصمغ العربي، أحد أهم الموارد الزراعية الاستراتيجية في السودان، أزمة تتجاوز انهيار الإنتاج إلى لغز الشحنات التي تعبر الحدود، وسط مخاوف من أن يصل “الذهب الأبيض” إلى الأسواق العالمية بهوية تجارية لا تكشف عن منشئه السوداني.
وتتضح أبعاد الأزمة في تراجع الإنتاج من نحو 150 ألف طن سنوياً قبل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” في أبريل 2023، إلى نحو 60 ألف طن، بانخفاض يقارب 60%، وفق تقديرات خبراء أمميين، وسط خسائر في الإيرادات تُقدّر بنحو 198 مليون دولار سنوياً.
ولا تتوقف التداعيات عند تراجع الإنتاج؛ فالسودان، الذي كان يوفر نحو 70 إلى 80% من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، يعتمد نحو خمسة ملايين شخص على قطاعه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لكن الحرب تضرب هذه المكانة من جبهات عدة: أشجار هشاب تُقطع لإنتاج الفحم، ومنتجون نزحوا عن مناطقهم، وشحنات تسلك مسارات تجارية عبر الحدود بعيداً عن القنوات الرسمية، بما يثير مخاوف من انتقال جزء من القيمة التجارية لـ”الذهب الأبيض” إلى أسواق لا يظهر فيها منشؤه السوداني بوضوح.
سنوات لاستعادة كل شجرة
هذا ولا تقتصر خسائر القطاع على تراجع الكميات المنتجة أو تعثر وصول الشحنات إلى الأسواق، بل تبدأ من أشجار الهشاب نفسها، التي يمكن أن تدر عائداً اقتصادياً لسنوات طويلة.
فالشجرة التي تُقطع لإنتاج الفحم لا يُفقد معها محصول موسم واحد فحسب، وإنما مورد يحتاج تعويضه إلى سنوات.
إذ أوضح الخبير الزراعي البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد لـ”العربية.نت/الحدث.نت” أن شجرة الهشاب البديلة تبدأ عادةً في إعطاء الصمغ عند عمر أربع إلى خمس سنوات، ويصبح إنتاجها أكثر انتظاماً وجدوى تجارية من السنة الخامسة. ويعني ذلك أن تعويض الشجرة المقطوعة لا يتحقق بمجرد غرس شتلة جديدة؛ إذ لفت البروفيسور السوداني إلى أن استعادة إنتاج تجاري أولي تحتاج إلى نحو خمس سنوات على الأقل، بينما قد تستغرق استعادة إنتاجية الجنينة أو الحقل بالكامل مدة أطول، تبعاً لعدد الأشجار المفقودة ونجاح الغرس والحماية من الرعي والحرائق وتوافر العمالة والتمويل.

وحتى عندما تنمو فروع جديدة من بعض الجذوع أو الجذور بعد القطع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة استعادة الشجرة قدرتها الإنتاجية السابقة سريعاً.
كما أن الخسارة لا تتوقف عند الصمغ نفسه؛ فأشجار الهشاب تثبّت النيتروجين، وتحسّن التربة، وتوفر الظل والعلف والحطب. ومن ثم، فإن تحويلها إلى فحم يبدد مورداً اقتصادياً وخدمات بيئية ممتدة، يصعب تعويضها في المدى القصير.
نزوح المنتجين.. وتهديد قاعدة الإنتاج
وإذا كان قطع الأشجار يستنزف المورد الطبيعي، فإن نزوح المنتجين وتعذر وصولهم إلى الجنائن يهددان القاعدة البشرية التي يقوم عليها القطاع. فاستمرار الحرب لا يعرقل جمع الصمغ وتسويقه فحسب، بل يضرب أيضاً القدرة على إدارة الأشجار والمحافظة على إنتاجيتها.
لذا حذر طلعت من أن استمرار الحرب يهدد بتفكيك قاعدة الإنتاج البشرية والغابية معاً، بفعل نزوح المنتجين وتعذر الوصول إلى الجنائن وغياب التمويل والعمالة، إلى جانب قطع الأشجار وإهمالها.

إلى ذلك، رأى أن التهريب يحرم الدولة من الإيرادات وحصائل الصادر ويطمس المنشأ السوداني، لكنه يدل، في الوقت نفسه، على أن جزءاً من الصمغ لا يزال يُنتج ويجد طريقه إلى الأسواق.
هذا وكشفت وقائع النهب عن جانب آخر من هذه الأزمة. ففي مدينة النهود بغرب كردفان، أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن عمليات نهب طالت تجارة الصمغ العربي والمخازن وأجزاء من السوق في مايو 2025.
من السودان إلى تشاد… أين ينتهي الصمغ؟
إذا فالمسألة لم تعد تتعلق بوصول الصمغ السوداني إلى الأسواق العالمية في حد ذاته، إنما بما إذا كانت بعض الشحنات تعبر مسارات غير رسمية، ثم يُعاد تصديرها من دون إظهار منشئها السوداني بوضوح.

فقد أشارت معلومات متداولة في القطاع إلى انتقال شحنات عبر مسارات غير رسمية باتجاه تشاد ودول مجاورة، وسط مخاوف من إعادة تصدير بعضها دون إظهار منشئه السوداني بوضوح. وإذا حدث ذلك، فقد يخسر السودان جزءاً من القيمة التجارية لمنتجه، حتى عندما يظل الصمغ نفسه حاضراً في الأسواق.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي إبراهيم الكناني، في إفادات لإذاعة «دبنقا»، إن القطاع يواجه تراجع الإنتاج وأعباء الرسوم والجبايات، فيما تزيد عمليات التهريب صعوبة الاحتفاظ بالعائدات داخل البلاد.
فيما وفرت بيانات الواردات الأوروبية مؤشراً يستحق المتابعة في هذا السياق. فالأرقام التي استند إليها طلعت في تحليله أظهرت تراجع الكميات المسجلة من السودان من نحو 66.7 ألف طن في 2022 إلى 49.9 ألف طن في 2024، بانخفاض يقارب الربع.

في المقابل، ارتفعت الواردات المسجلة من تشاد من نحو 9.7 ألف طن في 2023 إلى 13.5 ألف طن في 2024.
لكن تقاطع هذين المسارين لا يكفي وحده لكشف مصير الشحنات أو إثبات انتقال الصمغ السوداني عبر تشاد؛ فهذه الأرقام لا تثبت أن الزيادة التشادية ناتجة عن تهريب الصمغ السوداني. ويتطلب تحديد المنشأ مراجعة سجلات الشحن والتجارة وموازنة الإنتاج المحلي مع الصادرات وإعادة التصدير.
مع ذلك، لا تزال هذه المؤشرات تعد مهمة عند النظر إلى مستقبل المنافسة في السوق العالمية. وقال البروفيسور طلعت إن السودان لم يفقد موقعه العالمي بعد، لكنه يخسر تدريجياً بعض مزاياه التجارية، ومنها انتظام الإمداد والعلاقة المباشرة بالمشتري ووضوح المنشأ وحصيلة الصادر الرسمية.
ويحذر هذا المسار من أن استمرار الحرب قد يمنح الموردين المنافسين فرصة لتعزيز حضورهم، إذ قد يبني المشترون علاقات مستقرة مع موردين بديلين، مثل تشاد ونيجيريا والسنغال، أو يشترون الصمغ السوداني عبر وسطاء من دون أن تُنسب قيمته التجارية إلى السودان. وبذلك لا تقتصر المخاطرة على تراجع الكميات المصدرة، بل تمتد إلى احتمال فقدان بعض العلاقات التجارية التي يحتاج استعادتها إلى وقت وجهد.

سوق لا تنتظر إلى الأبد
وتضع هذه التطورات السودان أمام سباق يتجاوز انتظار توقف الحرب؛ فاستعادة موقعه في سوق الصمغ العربي تتطلب عودة المنتجين وحماية الجنائن واستعادة التمويل والنقل وضمان جودة الصادرات وإمكانية تتبع منشئها.
وتكمن المفارقة في أن الصمغ السوداني قد يواصل الوصول إلى الأسواق العالمية، بينما تتراجع حصة السودان من قيمته التجارية.
فالشجرة التي تُقطع اليوم تحتاج إلى سنوات لتعويض إنتاجها، لكن المشتري الذي يجد مورداً بديلاً قد لا ينتظر.
وبين غابات تُستنزف ومنتجين ينزحون وشحنات يصعب تتبع منشئها، تتشابك أزمة الإنتاج مع مخاوف التهريب وتراجع المزايا التجارية. وهكذا يخوض السودان سباقاً للحفاظ على سوق قد تعيد الحرب رسم خريطته قبل أن تتوقف.
المصدر: العربية