لماذا لا تجد الأزمة الليبية حلًا؟
منذ سقط نظام معمر القذافى، فى خريف عام 2011، تحت ضربات الثورة المسلحة، التى حظيت بغطاء دولى، وليبيا تراوح فى مساحة رمادية بين دولة تحاول أن تُولد، وكيانات سياسية وعسكرية تأبى أن تتخلى عن مصالحها الضيقة.
فقد تحولت التسوية السياسية، منذ 15 عامًا، من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى مسرحية لا تنتهى فصولها، تتوالد فيها المبادرات واللجان والحوارات والخرائط الانتقالية، بينما تبقى الأسئلة المهمة بلا جواب حاسم: من يملك الشرعية، ومن يحتكر القوة المسلحة، ومن يملك حق إدارة موارد الدولة؟
وفى 30 أغسطس 2026، وقعت الأطراف الليبية اتفاقًا برعاية الأمم المتحدة لمعالجة العقبات الانتخابية ووضع مسار يقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا. الاتفاق مُهم بلا شك، لأنه يعالج إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والقضايا الخلافية المتعلقة بالإطار القانونى للانتخابات، لكنه يكشف فى الوقت نفسه طبيعة المعضلة الليبية.
فحين انهار نظام القذافى لم تكن ليبيا أمام انتقال ديمقراطى تقليدى، بل أمام انهيار مركز الدولة نفسه. فقد سقط النظام أسرع مما استطاعت القوى الجديدة أن تبنى أطرًا ومؤسسات بديلة، ووجدت البلاد نفسها أمام كتائب ومجموعات مسلحة ومراكز نفوذ محلية لا يجمعها تصور واحد للدولة. كان المتوقع أن تقود العملية السياسية إلى احتواء السلاح وبناء المؤسسات، لكن هذين المسارين جريا بصورة متوازية وغير متوازنة؛ فدخلت القوى المسلحة إلى السياسة قبل أن تصبح السياسة قادرة على إخضاع السلاح.
وجاء اتفاق الصخيرات، العام 2015، ليؤسس «حكومة الوفاق الوطنى»، لكنه لم ينجح فى إنهاء ازدواجية القوة والمؤسسات. ثم أدى الانقسام السياسى والعسكرى إلى حرب أوسع، بلغت ذروتها فى أبريل 2019. ولم يعد الصراع عندها ليبيًا خالصًا، إذ انخرطت فيه قوى إقليمية ودولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتحولت ليبيا إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الأمن والطاقة والهجرة والنفوذ الجيوسياسى.
وكان وقف إطلاق النار، فى أكتوبر 2020، نقطة تحول مُهمة، ثم جاء ملتقى الحوار السياسى الذى أفضى إلى «حكومة الوحدة الوطنية»، عام 2021، وحدد موعدًا للانتخابات. غير أن الانتخابات انهارت قبل ساعات من انطلاقها، بعدما عجزت المؤسسات السياسية عن الاتفاق على القواعد المُنظمة لها وعلى أهلية بعض المرشحين. ومنذ ذلك الحين عادت ليبيا إلى أنموذج السلطة المزدوجة، مع حكومة فى طرابلس وأخرى مدعومة من مجلس النواب فى الشرق، فيما بقيت المؤسسات السيادية والاقتصادية عرضة للتجاذب.
وهنا يظهر جوهر الأزمة. الانتخابات التى يُفترض أن تنهى المرحلة الانتقالية أصبحت هى نفسها موضوع الصراع. فالقوانين الانتخابية ليست فى ليبيا مجرد قواعد تقنية؛ فهى تحدد شكل النظام السياسى المقبل، ومن يحق له الترشح، ومن يملك فرصة الوصول إلى الرئاسة، ومن يملك حق التصرف فى الموارد والسلطة بعد الاقتراع. ولذلك، ينظر كل طرف إلى القاعدة الانتخابية من زاوية موقعه فى ميزان القوة. الطرف الذى يرى أن الانتخابات قد تمنحه أفضلية يريدها سريعًا، والطرف الذى يخشى أن يخسر نفوذه يطالب أولًا بضمانات تحول دون استخدام الانتخابات لإقصائه. وهكذا يصبح الخلاف على القانون فى حقيقته خلافًا على مستقبل السلطة.
أما العامل الخارجى فقد ساعد على إدامة المشكلة بأكثر مما ساعد على تفكيكها. القوى الدولية متفقة على ضرورة استقرار ليبيا، لكنها ليست متفقة بالضرورة على شكل هذا الاستقرار ولا على القوى التى ينبغى أن تتمتع بالنفوذ داخله.
ثم هناك العامل الأكثر خطورة؛ فالزمن نفسه بدأ يعمل ضد الدولة الليبية. كل سنة إضافية من الانقسام تمنح المؤسسات الموازية شرعية أمر واقع، وتمنح الجماعات المسلحة مصالح جديدة، وتخلق أجيالًا من شبكات الاقتصاد السياسى المرتبطة بالتهريب والمحسوبية والإنفاق العام.
ولهذا، فإن الخروج العملى من الأزمة ينبغى أن يبدأ بتغيير ترتيب الأولويات. المطلوب ليس تشكيل حكومة توافقية جديدة تستطيع البقاء سنوات أخرى، بل سلطة انتقالية محدودة المهمة والصلاحيات والمدة، تكون وظيفتها الأساسية إنجاز الانتخابات لا إدارة الدولة إلى أجل غير مسمى. ويجب أن تكون القواعد الانتخابية واضحة ومستقرة قبل الاقتراع، وأن تتوافر آلية قضائية مستقلة وسريعة للفصل فى النزاعات، وأن يحصل المرشحون والقوى السياسية على ضمانات حقيقية بأن نتيجة الانتخابات ستُحترم.
أما المجتمع الدولى فعليه أن يتوقف عن التعامل مع ليبيا باعتبارها ملفًا دبلوماسيًا مفتوحًا بلا نهاية. المطلوب موقف دولى موحد يجعل دعم الانتخابات مشروطًا باحترام نتائجها، ويجعل عرقلة المسار السياسى مُكلفة، ويضغط بصورة متزامنة على الأطراف الليبية والدول الخارجية التى تمدها بالدعم السياسى أو العسكرى. فلا يمكن بناء تسوية داخلية إذا ظلت الأطراف الخارجية قادرة على إعادة ضبط ميزان القوى من خارج الطاولة.
المعضلة الليبية، فى جوهرها، ليست غياب الحلول، وإنما غياب ميزان المصالح الذى يجعل الحل أكثر جاذبية من استمرار الأزمة. لقد أنتجت ليبيا خلال خمسة عشر عامًا ما يكفى من المبادرات والاتفاقات لإثبات أن المشكلة ليست فى نقص الأفكار. المشكلة أن كل تسوية ظلت تواجه قوى ترى فى المرحلة الانتقالية مساحة للمساومة، وفى الدولة الموحدة احتمالًا لخسارة نفوذها. ولذلك، فإن نجاح اتفاق 30 أغسطس لن يقاس بتماسك صياغته، ولا بعدد الاجتماعات التى ستعقبه، وإنما بقدرته على نقل ليبيا من سياسة إدارة التوازنات إلى سياسة إنهاء المرحلة الانتقالية، وصولًا إلى استعادة الدولة الوطنية الليبية، وتحقيق توقعات المواطنين الليبيين.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة




