لماذا يرتفع سعر الذهب عالمياً؟.. وهل ما زال وقت الشراء مناسباً؟
في وقت يواصل فيه الذهب التحليق قرب مستويات تاريخية مرتفعة، يعود السؤال الذي يشغل المستثمرين والأفراد على حد سواء: ما الأسباب الحقيقية وراء صعود المعدن الأصفر؟ وهل لا يزال الشراء مجدياً بعد موجات الارتفاع المتتالية؟.
منذ عام 2025 وحتى النصف الثاني من 2026، سجل الذهب واحدة من أقوى فترات الصعود في تاريخه الحديث، مدعوماً بمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية والنقدية التي عززت مكانته كملاذ آمن في مواجهة الاضطرابات العالمية.
البنوك المركزية تقود الطلب العالمي
أحد أهم محركات الذهب خلال السنوات الأخيرة هو الشراء المكثف من البنوك المركزية حول العالم.
ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي (World Gold Council)، بلغت مشتريات البنوك المركزية 863 طناً خلال عام 2025، وهو مستوى يفوق بكثير متوسط العقد السابق البالغ نحو 473 طناً سنوياً. كما استمرت الوتيرة القوية في 2026، إذ سجل الربع الثاني من العام 289 طناً من المشتريات الصافية، وهو أقوى أداء فصلي على الإطلاق لهذه الفترة.
وتسعى العديد من الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، في ظل التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف بشأن استقرار النظام المالي العالمي، ما يجعل الذهب خياراً استراتيجياً للبنوك المركزية.
رهانات خفض الفائدة تدعم المعدن الأصفر
يرتبط الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة الحقيقية. فعندما تتراجع توقعات رفع الفائدة أو تزداد احتمالات خفضها، تنخفض تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً ثابتاً.
وخلال أغسطس 2026، تلقى الذهب دعماً قوياً بعد بيانات اقتصادية أميركية أظهرت تباطؤاً في التضخم وسوق العمل، ما دفع الأسواق إلى تقليص رهانات رفع الفائدة وزيادة التوقعات باتجاه سياسة نقدية أكثر مرونة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
ويرى محللون أن أي دورة تيسير نقدي أو خفض للفائدة خلال الأشهر المقبلة قد تشكل عاملاً إضافياً لدعم الأسعار.
الدولار والديون الأميركية
عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في المخاوف المتزايدة من مستويات الدين العام الأميركي والعالمي.
فمع ارتفاع الديون الحكومية عالمياً إلى مستويات قياسية، يتجه بعض المستثمرين إلى الذهب باعتباره مخزناً للقيمة ووسيلة للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية.
كما أن ضعف الدولار الأميركي عادة ما يعزز جاذبية الذهب للمستثمرين الدوليين، لأن المعدن يصبح أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى.
الجغرافيا السياسية تعيد بريق الملاذ الآمن
لم تعد الأسواق تتابع المؤشرات الاقتصادية فقط، بل أيضاً الأزمات السياسية والعسكرية المتصاعدة حول العالم.
فالذهب يستفيد تقليدياً من فترات عدم اليقين، سواء تعلق الأمر بالحروب أو التوترات التجارية أو الأزمات المالية. وتؤكد دراسات وتحليلات حديثة أن المخاطر الجيوسياسية كانت من بين أبرز العوامل التي عززت الطلب الاستثماري على الذهب خلال 2025 و2026.
لكن لماذا لا يرتفع الذهب دائماً؟
رغم قوة الاتجاه الصاعد على المدى الطويل، فإن الذهب ليس استثماراً أحادي الاتجاه.
فارتفاع العوائد الحقيقية على السندات الأميركية أو قوة الدولار قد يدفعان المستثمرين إلى التخلي مؤقتاً عن الذهب والاتجاه نحو الأصول المدرة للعائد. كما شهد المعدن خلال 2026 تصحيحات حادة بعد أن بلغ مستويات قياسية في بداية العام.
وهذا يفسر التقلبات الكبيرة التي شهدها السوق رغم استمرار العوامل الداعمة على المدى البعيد.
هل ما زال وقت الشراء مناسباً؟
يرى كثير من مديري الأصول والمؤسسات الاستثمارية أن الإجابة تعتمد على هدف المستثمر وأفقه الزمني. إذا كان الهدف هو المضاربة قصيرة الأجل، فإن المخاطر مرتفعة بسبب احتمال حدوث تصحيحات سعرية حادة بعد الصعود الكبير الذي شهده الذهب. أما إذا كان الهدف هو التحوط وحفظ القيمة على المدى الطويل، فإن العديد من المؤسسات لا تزال ترى أن العوامل الأساسية الداعمة للذهب، مثل مشتريات البنوك المركزية والتوترات الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية، لم تتغير.
وتوصي بعض المؤسسات الاستثمارية بعدم الدخول بمبلغ كبير دفعة واحدة، وإنما عبر الشراء التدريجي وتوزيع الاستثمارات على فترات مختلفة للحد من مخاطر التذبذب.
ويعتبر الارتفاع القياسي للذهب ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة أربعة محركات رئيسية: الشراء القوي من البنوك المركزية، وتوقعات خفض الفائدة، والتوترات الجيوسياسية، والمخاوف المرتبطة بالديون والعملات.
ورغم أن الأسعار باتت مرتفعة تاريخياً، فإن معظم العوامل التي غذّت الصعود لا تزال قائمة، ما يجعل الذهب محتفظاً بجاذبيته كأداة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية، وإن كان الدخول التدريجي يبدو الخيار الأكثر أماناً في ظل التقلبات الحالية.
المصدر: العربية – اقتصاد





