«مؤنسات الحرم».. حكاية يوم الخليف في ذاكرة أهل مكة
منى الثبيتي – الوئام :
موروث مكي عريق تتوارثه الأجيال، تجتمع فيه «مؤنسات الحرم» للدعاء والعبادة وخدمة الصائمين، بينما ينشغل الرجال بخدمة الحجاج في المشاعر المقدسة.
مع انبلاج فجر يوم عرفة، تستيقظ مكة على إيقاع مختلف، المدينة التي ضجّت بالحجاج في الأيام الماضية تبدو أكثر هدوءاً، بعدما اتجهت جموعهم إلى صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم من الحج، وفي الوقت الذي يغادر فيه كثير من رجال مكة إلى المشاعر المقدسة لخدمة ضيوف الرحمن، تبدأ حكاية أخرى تتوارثها الأجيال، حكاية يوم يعرفه أهل مكة باسم «يوم الخليف».
منذ الساعات الأولى للصباح، تتجه نساء مكة نحو المسجد الحرام. يمضين بخطوات يعرفنها جيداً، وكأنهن يسرن على أثر أمهاتهن وجداتهن اللاتي اعتدن إحياء هذا اليوم منذ عقود، ومع انحسار الزحام المعتاد، يقتربن من الكعبة المشرفة، وينزلن إلى صحن المطاف في مشهد استثنائي لا يتكرر إلا مرة واحدة كل عام.
في أروقة الحرم وساحاته، تبدأ ملامح يوم الخليف بالظهور، وصفوف من المصليات، وأصوات تتلو القرآن في خشوع، هنا تحضر نساء مكة اللواتي اشتهرن بين الناس باسم «مؤنسات الحرم»، وهن يعمرن المسجد الحرام بالدعاء والعبادة في يوم ترجى فيه الرحمة والمغفرة وإجابة الدعاء.
وتستعيد رباب العتيبي ذكرياتها مع هذا اليوم قائلة: «ورثنا يوم الخليف عن أمهاتنا وجداتنا رحمهن الله، وكنا منذ الصغر ننتظره بشوق، كان يوماً مختلفاً نشعر فيه بالقرب من الحرم والكعبة أكثر من أي وقت آخر، نجتمع فيه للعبادة ونقضي ساعات طويلة بين الطواف والصلاة والدعاء»، وتضيف أن كثيراً من الأسر المكية ما زالت تحرص على اصطحاب أبنائها وبناتها إلى الحرم في هذا اليوم، حتى يبقى هذا الموروث حاضراً في ذاكرة الأجيال الجديدة.
وفي زاوية أخرى من الحرم، ترى حنان السلمي أن يوم الخليف يجسد صورة فريدة من تكامل أدوار المجتمع المكي خلال موسم الحج، وتقول: «بينما ينشغل الرجال بخدمة الحجاج في المشاعر المقدسة، تتولى النساء عمارة الحرم بالذكر والدعاء، والمشاركة في توزيع وجبات الإفطار للصائمين. إنه موروث نفخر به ونشعر من خلاله بامتداد ما تركه لنا الآباء والأجداد».
ولا تقتصر الحكاية على العبادة وحدها، فبين جنبات الحرم تتجلى أيضاً قيم التكافل والعطاء، تنشغل النساء والأطفال بتوزيع وجبات الإفطار على الصائمين، في مشهد يعكس ما عُرف به أهل مكة من كرم وخدمة لقاصدي بيت الله الحرام. وبينما تتنقل الأمهات بين الصلاة والدعاء، يرافقهن أطفالهن الذين يتعرفون عن قرب على عادة تناقلتها الأجيال، ويتعلمون كيف كان أهل مكة يتقاسمون شرف خدمة الحجيج؛ رجالاً في المشاعر المقدسة، ونساءً في رحاب المسجد الحرام.
ومع اقتراب موعد الإفطار، تتبدل ملامح المكان من جديد ، تجتمع العائلات حول موائد بسيطة تتشاركها مع الصائمين، وتمتزج روحانية يوم عرفة بأجواء الألفة والمحبة، وبعد أداء صلاتي المغرب والعشاء، تبدأ الأسر المكية في مغادرة الحرم، حاملة معها ذكريات يوم استثنائي لا يشبه سواه.
ويبقى يوم الخليف أكثر من مجرد عادة سنوية؛ إنه قصة وفاء لموروث مكي عريق، وحكاية مدينة ظل أهلها يتقاسمون شرف خدمة بيت الله الحرام وضيوفه جيلاً بعد جيل، رجالاً في خدمة الحجاج، ونساءً عرفن بين الناس باسم «مؤنسات الحرم».
تم نشر هذه المقالة «مؤنسات الحرم».. حكاية يوم الخليف في ذاكرة أهل مكة للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.
المصدر: الوئام
