ماذا لو اختارت إسرائيل السلام؟ قراءة في خطاب إيمانويل
تُعلّمنا دروس التاريخ والتوازنات الاستراتيجية أن العلاقات الدولية لا تعرف العداء المطلق ولا التحالفات الدائمة. وأثناء الحرب العالمية الثانية، شكلت الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما ديمقراطيتان رأسماليتان كانت لديهما مخاوف عميقة تجاه الشيوعية، تحالفاً كبيراً مع الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين لسحق ألمانيا النازية.
ومن شدة بغضه لهتلر، أعلن ونستون تشرشل، الذي أمضى مسيرته المهنية في التنديد بالبلشفية، أنه لو غزا هتلر الجحيم فإنه سيذكر الشيطان بكلمة حسنة في مجلس العموم. كما زود روزفلت السوفييت بجبال من المساعدات بموجب برنامج “الإعارة والتأجير”. وكانت الفجوة الأيديولوجية بينهم عميقة؛ لكن التهديد الوجودي المشترك كان أكبر؛ لم يصبحوا أصدقاء، لكنهم أصبحوا حلفاء لفترة كافية للانتصار في الحرب.
اليوم، يواجه الشرق الأوسط نسخة شبه قريبة من تلك القوة التوسعية الغاشمة، المتمثلة في النظام الإيراني. لقد بلغت طموحات طهران العتبة النووية، وباتت ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وأسراب طائراتها المسيّرة، وشبكة ميليشياتها المتمثلة في حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات المنتشرة في العراق، تشكل اعتداءً مباشراً ومستمراً على أمن الدول الخليجية والعربية، وبنيتها التحتية للطاقة، وحرية الملاحة الإقليمية.
وكما لم يكن بوسع حلفاء عام 1941 تحمل فكرة العداء الأيديولوجي بينهم، فإن دول الخليج وإسرائيل اليوم لا يمكنها تحمل القطيعة الدائمة. أثبت التعاون الأمني الهادئ قيمته بالفعل من خلال الاتفاقيات الإبراهيمية.
والخطوة المنطقية التالية هي إرساء شراكة استراتيجية علنية ومؤسسية قادرة على ردع أي اختراق نووي إيراني، وتفكيك شبكات الميليشيات، وتأمين الممرات البحرية، وتسريع الممرات الاقتصادية التي تتجاوز نقاط الضعف في مضيق هرمز. هذه الشراكة غير قابلة للتفعيل ما لم تتخذ إسرائيل خطوة لا رجعة فيها نحو الاعتراف بدولة فلسطينية.
وفي محاضرة تاريخية ألقاها بجامعة تل أبيب في 8 يوليو 2026، وجه رام إيمانويل – الزعيم الديمقراطي المخضرم ورئيس موظفي البيت الأبيض الأسبق في إدارة أوباما – رسالة غير مسبوقة. وحذر إيمانويل، الذي يُعد من أشد حلفاء إسرائيل صراحةً في واشنطن وهو مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة، من أن الدعم الأمريكي غير المشروط أدى إلى عزلة استراتيجية لإسرائيل، مشدداً على أن “التحالف بين البلدين لا يمكن أن يصمد أو يستمر على حاله”.
وقبل كل شيء، أصر على أنه يجب على إسرائيل “السماح بإمكانية إقامة دولة فلسطينية” والتخلي عن أحلام الضم. واقترح “حلاً يشمل 23 دولة”: حيث يجب على الدول العربية أن “تشمر عن سواعدها” وتساعد في خلق سلطة حكم فلسطينية قابلة للحياة تقبل بإسرائيل كدولة قابلة للحياة. وعلى هذا الأساس، ستقدم جامعة الدول العربية اعترافاً دبلوماسياً كاملاً بإسرائيل في خطوة تاريخية موحدة للاندماج الإقليمي. وفي الحقيقة، تتوافق صياغة إيمانويل مع مبادرة السلام العربية لعام 2002 التي أطلقتها المملكة العربية السعودية، والتي تعني تطبيعاً كاملاً مقابل حل عادل للقضية الفلسطينية. وقد صاغ إيمانويل النتيجة بوضوح، بمعنى أن الاستقرار الإقليمي سيكون أفضل يوم لإسرائيل وكابوساً لإيران.
وبصريح العبارة، القضية الفلسطينية هي سلاح بيد إيران ضد التقارب العربي الإسرائيلي. فهو يسمح لطهران بتقديم نفسها كمدافع عن الأمة، في حين تُتهم الحكومات العربية التي تتقارب مع إسرائيل بالخيانة. الالتزام الإسرائيلي الموثوق بإقامة دولة فلسطينية ومنح الفلسطينيين الأمل ينزع هذا السلاح، ويغير من شعار دول عربية تطبع مع المحتل إلى دول عربية وإسرائيل يعزلون معاً المزعزع الحقيقي لاستقرار المنطقة.
إلى جانب ذلك، يتيح هذا التوجه إطلاق الإمكانات الكاملة لمشروع الممر الاقتصادي (IMEC)، والذي يرتهن نجاحه بالاستقرار وتلاشي الأزمات الفلسطينية المتلاحقة التي تمزق المنطقة. فبروز مسار سياسي ملموس للفلسطينيين سيجعل الممر الاقتصادي مشروعاً آمناً للتمويل، ويدفع نحو اندماج اقتصادي إقليمي يمنح الدول المشاركة مناعة أكبر ضد النفوذ والضغوط الإيرانية.
بالنسبة لإسرائيل، لا يتحقق العمق الاستراتيجي بضم المزيد من الأراضي وإبقاء الصراعات مفتوحة، وإنما بتوسيع دائرة الحدود المعترف بها، وتعميق الترابط الاقتصادي مع الجيران. كما أن الاندماج الكامل مع العالم العربي كفيل بإنهاء دوامة الحروب متعددة الجبهات التي تغذي النظام الإيراني، وإعادة الشرعية الدولية لإسرائيل في وقت باتت فيه عزلتها عبئاً استراتيجياً، تماماً كما حذر رام إيمانويل. هذا الاندماج يجعل الدعم الأمريكي الثابت منسجماً مع سياسة مستدامة تحظى بدعم الحزبين، بدلاً من الارتهان للتقلبات الحزبية.
كما أشار رام إيمانويل إلى أن ثلاثة عروض إسرائيلية سابقة للسيادة قد قوبلت بالرفض؛ فرغم أن إخفاقات القيادة الفلسطينية تمثل واقعاً ملموساً يتطلب المعالجة عبر الدول العربية، إلا أن ذلك لا يبرر استخدام إسرائيل لحق الفيتو لمنع قيام الدولة الفلسطينية. وقد حذر إيمانويل من أن الوضع الراهن، المتمثل في السيطرة المفتوحة، لا يمثل استراتيجية فعالة، وإنما يُعد هزيمة استراتيجية بطيئة.
ستجني إسرائيل مكاسب دولية كبرى في حال قبولها بتسوية القضية الفلسطينية. وبمنطق البراغماتية، وكما تحالفت واشنطن ولندن مضطرتين مع ستالين لهزيمة هتلر رغم غياب الثقة؛ لا يتحتم على دول الخليج وإسرائيل تسوية جميع الخلافات العقائدية أو تصفية الحسابات التاريخية لكي تدرك هذه الأطراف حقيقة جلية؛ ألا وهي أن طهران ببرنامجها النووي، وإمبراطورية ميليشياتها، وأيديولوجيتها الثورية، تمثل بلا شك التهديد الأكبر والأكثر خطورة للمنطقة.
وفي اعتقادي، أن المرحلة الراهنة تتطلب قيادة إسرائيلية قادرة على الجمع بين قوة الردع العسكري ومرونة الحل السياسي، وهو التوازن الدقيق الذي دعا إليه رام إيمانويل في خطابه بجامعة تل أبيب. الالتزام الثابت والنهائي بمسار الدولة الفلسطينية، كجزء من تسوية إقليمية شاملة، سيمهد الطريق أمام دول الخليج لإتمام التحالف الاستراتيجي الأكبر، مما سيسهم في تبديد الكابوس الإيراني وفرض واقع جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط. ويتعاظم هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن الركون المطلق إلى الدعم الخارجي، أمريكياً كان أو غيره، ليس خياراً مضموناً، خصوصاً وأن إسرائيل تخسر نفوذها هناك بسرعة كبيرة.
وباختصار، الخيار المطروح هو اختيار بين تحالف براغماتي يضمهما معاً، وبين وضع راهن ممزق يعجز عن حماية أيّ من دول المنطقة. سابقة عام 1941 ودرس عام 2026 تشيران إلى المسار ذاته، وقد حانت لحظة الاختيار.
المصدر: العربية – سياسة





