ما وراء الصواريخ: كيف تخوض إيران حربها على الوعي العربي؟
في الحروب الحديثة، تعددت ميادين المواجهة، ولم تعد الجغرافيا وحدها هي الميدان الأهم. فإلى جانب المعركة على الأرض، تدور معركة أخرى أقل ضجيجًا، وأعمق تأثيرًا: معركة السيطرة على السردية وعلى كيفية فهم الإنسان ما يجري حوله. فالصاروخ ينفجر في لحظة، وقد تزول آثاره المادية مع الوقت، أما السردية التي تستهدف الوعي قد تعيش لسنوات، وتؤثر في منظور إدراك الناس للحروب: من هو المعتدي؟ ومن الضحية؟ من يدافع عن نفسه؟ ومن يتحمل مسؤولية التصعيد وما يترتب عليه؟
هنا تكمن قوة السردية. فهي ليست مجرد خبر أو تصريح سياسي أو رسالة إعلامية عابرة، بل قصة متكاملة تُرتب من خلالها الأحداث، وتُمنح معنى يخدم هدفًا سياسيًا أو عسكريًا أو إعلاميًا. ولهذا لا تبدأ حرب السرديات مع إطلاق الرصاص، بل يجري الإعداد لها مسبقًا، وتُصاغ رسائلها وفق طبيعة الجمهور المستهدف وذاكرته ومخاوفه وحساسياته.
وإيران أدركت أهمية هذا الميدان منذ عقود، واستثمرت في بناء منظومة واسعة لنقل سرديتها، مستخدمة وسائل إعلامها الرسمية وشبه الرسمية، إلى جانب شبكات إعلامية وسياسية والميليشيات التي زرعتها في المنطقة العربية. ومع الثورة الرقمية، تغير حجم التأثير وسرعته. أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي إعادة إنتاج الرسالة آلاف المرات وتضخيمها في أشكال متعددة، فيما أضاف الذكاء الاصطناعي قدرة غير مسبوقة على إنتاج النصوص والصور والمقاطع وتكييف المحتوى بسرعة مع جماهير ولغات مختلفة.
لكن اللافت أن الأدوات تغيرت أكثر مما تغيرت السردية نفسها. فالخطاب الإيراني ما زال يستند إلى مفردات وشعارات أعيد تدويرها ورسائل عرفتها المنطقة منذ سنوات: المظلومية، وقوى المقاومة، ومواجهة قوى الاستكبار العالمي، والدفاع عن السيادة، وتحميل الخصوم مسؤولية التصعيد. وفي أوقات الأزمات، يضاف إلى هذه المفردات عنصر بالغ التأثير في النفس البشرية: الخوف. فالخوف لم يعد نتيجة جانبية للحرب؛ بل أصبح جزءًا من أدواتها: الخوف على السكان والمدن والمنشآت الحيوية، والخوف من اتساع رقعة المواجهة، ومن تعطل الملاحة والطاقة والاقتصاد، ومن أن تتحول دول الخليج إلى ساحات حروب لم تخترها شعوبها.
ومن منظور نفسي، لا يحتاج التأثير دائمًا إلى إقناع الإنسان بسردية الخصم كاملة. يكفي أحيانًا أن تغرس في ذهنه قدرًا من القلق والشك. فالإنسان تحت الضغط يبحث بصورة أسرع عن تفسير لما يحدث، ويصبح أكثر حساسية تجاه الرسائل التي تحدد له مصدر الخطر والمسؤول عنه. وإذا نجحت الرسالة في جعله أقل يقينًا بخيارات دولته أو تحالفاتها، ستحقق جزءًا من هدفها دون أن يقتنع أصلًا بسياسات الطرف الذي أطلقها. وهذا ما جعل الجمهور الخليجي ساحة مهمة في حرب السرديات. فالرسالة الموجهة إلى الداخل الإيراني ليست هي نفسها التي تصل إلى العراقي أو اللبناني أو اليمني، كما أنها تختلف عن الرسالة الموجهة إلى السعودي أو البحريني أو الإماراتي أو الكويتي. لكل مجتمع ذاكرته السياسية ومخاوفه الخاصة، والسردية الفاعلة لا تقول الشيء نفسه للجميع؛ بل تبحث عن المدخل الأكثر حساسية لدى كل جمهور.
في الخليج، تمحورت الرسالة الإيرانية حول فكرة أن وجود القوات الأمريكية هو الذي يجلب الخطر إلى المنطقة، أو أن التحالف مع واشنطن لا يوفر الحماية، أو أن المواجهة المباشرة مع إيران ستكون باهظة للغاية على دول الخليج، وستفوق خسائرها أضعاف الخسائر التي قد تتكبدها إيران. ولعل أحد أكثر الأمثلة وضوحًا للسردية الإيرانية ظهر في 30 أغسطس، عندما وجه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي رسالة بمناسبة “أسبوع الوحدة الإسلامية”، دعا فيها الدول الإسلامية، وخصوصًا دول الخليج، إلى توحيد الصف وتعزيز التنسيق لمواجهة ما وصفه ب”العدو الحقيقي”، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
أهمية رسالة مجتبى خامنئي المكتوبة لا تكمن فقط في كلماتها، بل في الإطار الذي سعت لوضع الصراع داخله. فهي تأتي فيما لا تزال تداعيات المواجهة والهجمات الإيرانية على دول تستضيف أصولًا وقوات أمريكية حاضرة في الذاكرة الخليجية، ثم تدعو الجمهور والقادة إلى الانتقال من سؤال: ما مسؤولية إيران عما يجري؟ إلى سؤال مختلف: من هو العدو الخارجي المشترك؟
وهذه واحدة من أهم وظائف السردية: ليست مضطرة إلى إنكار الحدث، وإنما يكفي أحيانًا أن تغيّر الزاوية التي ننظر منه إليها. فبدل أن تبقى إيران طرفًا في أزمة إقليمية، سعت لتقديم نفسها ضمن إطار أوسع بوصفها جزءًا من عالم إسلامي يواجه خصمًا مشتركًا. وهنا يجري استدعاء الهوية الدينية المشتركة لتجاوز الخلاف السياسي والأمني، وإعادة رسم الحدود النفسية بين نحن وهُم. غير أن السردية الإيرانية لا تصل إلى الجمهور العربي دائمًا من طهران أو بصوت إيراني. وهذا ربما هو الجزء الأكثر تعقيدًا.
ففي بعض الأحيان يعاد إنتاج مفرداتها وحججها من خلال أصوات عربية، أو عبر ضيوف ومحللين يظهرون على شاشات ومنصات عربية، فتصل الرسالة إلى المتلقي تحت مسمى “الرأي الآخر” بلغته ولهجته ومن شخص يعرف ثقافته والرموز القادرة على التأثير فيه. ولا يعني ذلك رفض الرأي الآخر أو إغلاق المنابر أمام الآراء المختلفة. فالتعدد جزء أساسي من الإعلام المهني، لكن هناك فرق بين تقديم رأي مخالف ومساءلته، وبين إعادة بث رسائل استراتيجية صممها طرف في الصراع من دون تفكيكها أو اختبار الافتراضات التي تقوم عليها.
وهنا تقع على الإعلام العربي، وخاصة الخليجي مسؤولية مضاعفة. فالمهنية لا تعني فقط إعطاء مساحة لجميع الأصوات؛ بل تعني أيضًا امتلاك القدرة على التمييز بين الرأي والتحليل والرسالة المصممة للتأثير. وفي المقابل، لا ينبغي أن تكون الإجابة عن الدعاية دعاية مضادة. فالمبالغة، وإخفاء المعلومات، والتعامل مع الجمهور باعتباره غير قادر على فهم التعقيد، كلها ممارسات تضر بالمصداقية. والمجتمع الذي يشعر بأن إعلامه لا يخبره بالحقيقة سيبحث عنها في مكان آخر، وقد يجد نفسه أمام مصادر أكثر مهارة في التأثير عليه. ولهذا تظل المصداقية أقوى وسائل مواجهة حرب السرديات: قول الحقيقة عندما تكون واضحة، والاعتراف بما لم يتأكد بعد، وتصحيح المعلومة بسرعة، والابتعاد عن التعميم والخطاب الطائفي، والفصل بين الشعب الإيراني وسياسات الدولة الإيرانية. وهذا الفصل مهم للعرب تحديدًا. فإيران دولة جارة ذات حضارة وتاريخ وشعب متنوع، وفي الوقت نفسه دولة صاحبة مشروع سياسي وأمني وطائفي أثار خلافات وصراعات عميقة في المنطقة. الخلط بين الشعب والدولة لا يخدم المصالح العربية، بل يمنح الخطابات المتطرفة من جميع الأطراف مادة إضافية لاستثمارها.
كما كشفت الأزمات الأخيرة أن دول الخليج أصبحت أكثر إدراكًا لأهمية سرعة التواصل مع الجمهور. فالفراغ المعلوماتي في زمن وسائل التواصل لا يبقى فارغًا طويلًا؛ إذا لم تملأه المعلومة الموثوقة، ملأته الإشاعة والتخمين والمعلومة المضللة. وبنفس الوقت، ليس علينا مطاردة كل منشور أو الرد على كل معلومة مضللة. حجم المحتوى يجعل ذلك شبه مستحيل. الأهم هو بناء مناعة معرفية لدى الجمهور نفسه.
مناعة تدفع الإنسان إلى أن يسأل قبل أن يشارك: من نشر هذه المعلومة؟ ولماذا ظهرت الآن؟ وما الهدف من هذه الرسالة؟ الخوف؟ الغضب؟ اليأس؟ أم فقدان الثقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أحيانًا أكثر فاعلية من مئات البيانات الرسمية.
في نهاية أي حرب، سنعرف عدد الصواريخ التي أطلقت، وأسراب الطائرات المسيرة التي دُمرت، والمنشآت التي تضررت، وحجم الخسائر لدى كل طرف. لكن هناك خسائر وانتصارات لا تظهر على الخرائط العسكرية. ماذا بقي في أذهان الناس بعد انتهاء الضربات العدوانية؟ فالحروب قد تتوقف على الأرض، لكن سردياتها ستستمر لسنوات في تشكيل الوعي والذاكرة والمواقف والقرارات.
ولهذا، حينما نقرأ خبرًا أو نرى صورة في زمن الحرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ الأهم أن نسأل: من يريدني أن أفهم بهذه السياق… ولماذا؟
المصدر: العربية – سياسة





