متى يرحل يوليو وناصر إلى ذمة التاريخ؟ 3 – فض الالتباس المزمن بين نهاية يوليو ونهاية ناصر
كنا قد اتفقنا في الأسبوع الماضي على أن نتناول في هذا المقال الخصومات السياسية الشائعة مع الحقبة الناصرية، وهي الخصومات التي وصفناها، بأنها مذهبية وطبقية ورجعية محلية أو إقليمية أكثر منها وطنية ديمقراطية.
ولكن قبل الدخول في الموضوع، استحسنت بناء على ردود فعل وتعليقات قراء كثيرين وأصدقاء أعزاء أن أخصص المقال لبعض الإيضاحات الضرورية لحسن الفهم، وبعض التعريفات الأساسية في رؤيتي هذه لكيفية الخلاص من نظام يوليو، كشرط لبناء دولة مواطنة عصرية قوية في مصر.
وذلك بسبب تكرار مقولة إن ثورة ونظام يوليو انتهيا بوفاة جمال عبد الناصر، أو بانقلاب السادات على المشروع الناصري بعد حرب أكتوبر مباشرة، وهو ما لا أتفق معه من قريب أو من بعيد.
من جديد، أكرر اعتقادي بأن التاريخ تجاوز مشروع عبد الناصر كما تجاوز نظام يوليو، وأن استمرار هذا النظام هو مجرد حركة بالقصور الذاتي لغياب البديل المبادر والمطالب، كما رأينا في واقعة السقوط الكبير للنظام بهزيمة يونيو 1967، وكنتيجة لثورة يناير 2011.
أما عن الالتباس الدائم، والذي لا أدري سبباً لديمومته بيني وبين الناصريين وبعض المستقلين مثل صديقي الدكتور حسني كحلة حول ما إذا كان نظام يوليو استمر، أم انتهى بعد رحيل عبد الناصر في عام 1970، أو بالانقلاب الساداتي المتمثل في الانفتاح الاقتصادي، والصداقة حد التحالف مع النظم التقليدية في الإقليم، والارتباط حد التبعية أحياناً بالولايات المتحدة بعد حرب أكتوبر مباشرة، كما يذهب الدكتور كحلة وكثيرون معه… أقول أما عن هذا الالتباس، فإن السبب فيه هو الخلط بين المشروع الناصري، وبين النظام السياسي اليوليوي، الذي أسسه جمال عبد الناصر بما فيه من عوامل استمرار وعوامل انقطاع. فالذي انتهى إما بوفاة الرجل، أو في منتصف السبعينيات، هو المشروع الناصري، وذلك بالانقلاب الساداتي على القطاع العام، والتنمية من خلال الدولة، وعلى التنظيم السياسي الواحد، وعلى التحالفات الدولية والإقليمية لمصر الناصرية (مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ودول عدم الانحياز ونظم التحرير الوطني وما كان يسمى بالنظم التقدمية العربية).
في حين أن النظام السياسي من حيث البنية الهيكلية، وقواعد الممارسة، ومن حيث الشكل الدستوري الرسمي والعرفي استمر على نفس القواعد الناصرية، حيث بقيت المؤسسة العسكرية هي الدائرة الانتخابية الوحيدة لمنصب الرئيس، كما سبق لي القول مراراً وتكراراً.
دون أن يعني ذلك أنها هي التي تحكم مباشرة، وهذه نقطة كثيراً ما يحتج عليّ بها الناصريون، ومعهم الدكتور حسني كحلة، مع أني لم أقل قط إن نظام يوليو هو حكم عسكري، لا في الحقبة الناصرية، ولا في بقية نسخه، مع اختلاف في درجة وشكل وأهداف الاعتماد على العسكر في الحياة العامة، سواء لضمان أو شراء الولاء الشخصي أو لتأمين المؤسسات العامة المعنية، مع بقاء الفرق واضحاً بين الحكم العسكري المباشر، وبين مفهوم الدائرة الانتخابية.
وهنا أيضاً لا بد من إيضاح المقصود بكل جلاء، فليس معنى الدائرة الانتخابية هنا هو المعنى الحرفي، أي صندوق وجدول ناخبين واقتراع وفرز أصوات، وإنما هو معنى مجازي يقصد به امتلاك الحق الحصري في ترشيح واختيار وتنصيب الرئيس، وكذلك حسم الصراع- إذا اندلع حول المنصب- كما حدث بين السادات ورجال 15 مايو 1971.
إذ برغم سيول الكلام حول ثورة تصحيح، وتصفية مراكز القوى.. إلخ، فإن الذي حسم المعركة لصالح الشرعية متمثلة في السادات هو انحياز رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقتها الفريق محمد صادق، وكذلك انحياز قائد الحرس الجمهوري الفريق الليثي ناصف للرئيس.
وهنا يكون دور الرأي العام والقوى المدنية مكملاً، أو ديكورياً حسب الأحوال.
ولكن يجدر الاعتراف بأن الرأي العام كان في كل مرة مؤيداً دون أدنى شك لموقف القوات المسلحة واختياراتها.
هذه الملاحظة الأخيرة بالذات هي جزء من تعقيدات المشهد السياسي المصري، فهي تعني بوضوح وقوة أن المجتمع ككل مهيأ دائماً لقبول دور سياسي للمؤسسة العسكرية، بل ويرحب به وقد يستدعيه أحياناً، وفقاً للتصور السائد وقتها للشرعية.
إما بمعنى الاستمرار، كما حدث في حالتي السادات وخلفه حسني مبارك، وإما بمعنى بناء شرعية جديدة في نطاق الدائرة الانتخابية الواحدة والوحيدة، بالمعنى السابق شرحه، كما جرى يوم 11 فبراير عام 2011، حين تنحى حسني مبارك، وكما ظهر في خضم التفاعلات والأحداث والسيناريوهات التي انتهت بتنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ومن ثم، فليس صحيحاً القول بأن هذا النمط اليوليوي المستمر للحكم يفتقر كلية للشرعية الشعبية، ولا يستند سوى إلى البندقية، وما يصحبها من سياسات وآليات القمع والإكراه، خاصة في بدايات كل حقبة، أو عهد رئاسي.
وذلك على الرغم من إيماني الذي لا يتزعزع بأنه نظام عفا عليه الزمن، وتجاوزه التاريخ، وأنه عقبة بين مصر وبين المستقبل الحداثي، حيث دولة القانون والمواطنة المتساوية، والعلمانية السياسية التي تجعل المواطنة والدستور هما المصدر الوحيد للحقوق السياسية، وليس العقيدة الدينية، وتجعل الشعب وليس البندقية مصدر السلطة.
لكن الخصائص البنيوية لنظام يوليو 1952 السياسي- كما وضعت أسسه وتقاليده المستمرة حتى الساعة على يد جمال عبد الناصر مرة واحدة وإلى الأبد في دستور عام 1956- لا تنتهي عند الاعتماد على دائرة انتخابية وحيدة وحصرية، هي القوات المسلحة.
إنما أيضاً هناك ما يترتب على ذلك قانوناً وعرفاً، وهو تعبئة النظام كله حول شخص الرئيس، فهو يعتبر نفسه حكماً بين السلطات، أي فوق جميع السلطات، وليس رئيساً للسلطة التنفيذية فقط، كما ينبغي أن يكون الحال.
وهو الذي من شخصه يستمد شاغلو المناصب السياسية والإدارية سلطاتهم ووظائفهم، بداية من رئيس الوزراء والوزراء حتى المحافظين ورؤساء المدن والأحياء، والهيئات العامة، بل والبنوك والجامعات وكلياتها، ورؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف، بل ورؤساء ووكلاء المجالس النيابية، وكثير من رؤساء اللجان البرلمانية.
وأخيراً وليس أقل أهمية فإن الرئيس بالطبع هو الذي يختار رؤساء الهيئات القضائية، وقد يصل العرف إلى حد اختيار رؤساء محاكم الاستئناف والنيابات الفرعية المهمة.
هذا التركيز المكثف للسلطات السياسية والإدارية (مع العسكرية) في يد الرئيس في النظام السياسي اليوليوي يسمى في الأدبيات السياسية الحديثة نظام الحكم الفردي، أو الاستبدادي، أو النظام الديكتاتوري.
ولكن هذه المسميات الحديثة نسبياً قد تنزلق أو تنحدر بالعرف والممارسة وطول المدة وسطحية الفكر، وغرور القوة، إلى ما يعرف في تاريخ الخديوية المصرية باسم “ولي النعم سيد البلاد والعباد”، و”صاحب الهمة”، “فخر الأمة”، “الذي ولدت مصر من جديد يوم مولده”، كما قيل يوماً في أكبر وأعرق صحيفة مصرية في إحدى مناسبات الاحتفال بعيد حسني مبارك!!!!
هذه الخصائص، وتلك البنية هي عوامل الاستمرار في نظام يوليو المستمر كما قلنا بالقصور الذاتي، ولغياب البديل المطالب أو المتحدي والمبادر (بالطرق السلمية)، وذلك بعد أن أصبح هذا النظام عبئاً على البلاد والعباد.
لكن علينا أن ننتظر معاً إلى المقال بعد المقبل لنتباحث في كيفية الخلاص من هذا النظام، بتفعيل الشريك المدني للمؤسسة العسكرية (أقول الشريك المدني وليس التابع أو الذيل المدني، وليس أيضاً البديل الشامل لأسباب سنشرحها في حينها).
أما المقال المقبل فسوف نخصصه لما كان يجب أن يكون موضوع هذا المقال، وهو الخصومات المغلوطة للتجربة الناصرية.
<p>The post متى يرحل يوليو وناصر إلى ذمة التاريخ؟ 3 – فض الالتباس المزمن بين نهاية يوليو ونهاية ناصر first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360




