مفاوضات مرتقبة وتصعيد متواصل.. بوتين يناور وواشنطن تراقب
تلوح في الأفق جولة جديدة من الاتصالات بين روسيا وأوكرانيا، عقب تصريحات لمدير مكتب الرئيس الأوكراني كيريلو بودانوف، الجمعة، بأن محادثات “فنية” بشأن الحرب قد تُجرى في المستقبل القريب، لكنه استبعد في الوقت نفسه التوصل سريعًا إلى اتفاق ينهي القتال، في مؤشر على استمرار المسار الدبلوماسي بالتوازي مع تصعيد عسكري لا تظهر موسكو وكييف استعدادًا لإنهائه قريبًا.
محادثات فنية تقترب
وقال بودانوف، في مقابلة مع برنامج “Moseichuk+” على يوتيوب ونقلتها “رويترز”، إن الجميع “سيرون المفاوضات قريبًا جدًا”، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستتعلق بصورة أساسية بالمسائل الفنية والتحضير لخطوات أكبر يأمل أن تقود في نهاية المطاف إلى اتفاق أوسع.
لكن المسؤول الأوكراني خفض سقف التوقعات بشأن نتائج هذه الاتصالات، مؤكدًا أن الوصول إلى اتفاق سريع ليس متوقعًا، وأن اعتبار انتهاء الحرب خلال فترة قصيرة أمر “غير واقعي”، بما في ذلك إمكانية استمرار القتال خلال الشتاء المقبل. وتأتي تصريحاته بعد جولات سابقة من المحادثات المدعومة أميركيًا لم تحقق نتائج ملموسة لإنهاء الحرب، فيما عُقد آخر اجتماع ثلاثي بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي. وفق ما نقلته رويترز.
ويرتبط الجمود أساسًا بالخلاف حول الأراضي، إذ تطالب موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية من أجزاء من منطقة دونباس في شرق البلاد لا تزال كييف تسيطر عليها، بينما تؤكد أوكرانيا رفضها التخلي عن الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها. وقال بودانوف إن التوصل إلى تقدم يتطلب استعداد الطرفين للتحرك خطوة باتجاه الآخر، لكنه أشار إلى أن روسيا لا تبدي حاليًا استعدادًا فعليًا لذلك.
ولا يأتي الحديث عن محادثات فنية في أجواء هادئة، فروسيا كثفت خلال الأيام الأخيرة ضرباتها الجوية على أوكرانيا، استهدفت خلالها العاصمة كييف ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية، فيما أوضحت السلطات الأوكرانية أن الضربات ألحقت أضرارًا بمنازل ومستودعات ومراكز توزيع، في ثاني يوم متتالٍ من الهجمات على منطقة كييف.
معلومات من موسكو
وبالتوازي مع الحديث عن الاتصالات الروسية الأوكرانية، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن واشنطن أبلغت كييف بمعلومات استخباراتية تتعلق بعدة اجتماعات جرت مؤخرًا في موسكو، من دون أن يكشف تفاصيل المشاركين فيها أو طبيعة المعلومات التي نقلتها الولايات المتحدة.
وترتبط القضية بزيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، حيث التقى رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين في اجتماع وصفه الجانب الروسي بأنه “على مستوى العمل”. وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وناقش راتكليف مع الروس احتمالات قيام موسكو بعمليات عسكرية ضد دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب الدعم الروسي لإيران، بينما لم يؤكد الكرملين الرواية الأميركية بشأن طبيعة التحذيرات.
وفي المقابل، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهدئة المخاوف بشأن احتمال توسع المواجهة، قائلًا إن بوتين لن يهاجم أراضي تابعة لحلف الناتو، كما قلل من التقارير التي تحدثت عن أن مهمة راتكليف في موسكو كانت تتمثل في تحذير روسيا من مهاجمة دولة عضو في الحلف. لكن مصادر أكدت أن مسألة العمليات الروسية المحتملة ضد الناتو طُرحت بالفعل خلال الاتصالات، وإن لم تكن بالضرورة المحور الرئيسي للزيارة، وفق ما نقلته “رويترز”.
بوتين يقرأ المشهد
وتكتسب زيارة راتكليف أهمية كبرى، استنادًا إلى تقييم استخباراتي أميركي سري، أوضح أن الكرملين بات يرى الولايات المتحدة في وضع أضعف نتيجة انخراطها الطويل في الحرب مع إيران، وإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يرى في ذلك فرصة لتصعيد التحرك ضد المصالح والحلفاء الأميركيين في أوروبا. وفق تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”.
وبحسب التقرير، سبق هذا التقييم الاستخباراتي زيارة راتكليف السرية إلى موسكو، والتي قيل إنها جاءت في إطار محاولة أميركية لمنع روسيا من استغلال ما تراه واشنطن فرصة للتصعيد. وأفادت المصادر بأن راتكليف حذر الجانب الروسي من أن أي تصعيد جديد ضد أوكرانيا قد يأتي بنتائج عكسية على موسكو.

فجوة في التجنيد
وعلى صعيد متصل، صرح مسؤولون غربييون أن روسيا تخسر حاليًا نحو 6 آلاف جندي شهريًا أكثر من قدرتها على تعويضهم بالتجنيد، رغم استمرارها في جذب نحو ألف مجند يوميًا.
وفق تقديرات مسؤولين، أن روسيا تفقد نحو 36 ألف جندي شهريًا بين قتيل وجريح، مقابل نحو 30 إلى 31 ألف مجند جديد خلال الفترة نفسها، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”
ويرى المسؤولون أن فجوة القوى البشرية المتزايدة تضغط على موسكو، لكنهم لا يتوقعون بالضرورة أن تلجأ روسيا في الوقت الحالي إلى تعبئة واسعة النطاق، بالنظر إلى الكلفة السياسية والاقتصادية لمثل هذا القرار، فضلًا عن صعوبة تجهيز أعداد كبيرة من المجندين بالمعدات والقيادات اللازمة.
وفي مواجهة هذا الضغط، قال مسؤولون غربيون إن روسيا كثفت استهداف البنية التحتية المدنية والطاقة في أوكرانيا، مشيرين إلى أن موسكو أطلقت أكثر من 360 صاروخًا منذ مطلع يوليو/تموز، مستفيدة من النقص الأوكراني في قدرات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية. وأضاف المسؤولون، أن بوتين يسعى من خلال هذه الضربات إلى الضغط على المعنويات الأوكرانية واستهداف البنية التحتية للطاقة مع اقتراب الشتاء، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”.
وامتد تأثير الضربات إلى سلاسل الإمداد الغذائي، إذ قال وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي، الجمعة، إن الهجمات الروسية دمرت نحو 90% من لوجستيات الإمداد الغذائي التي تديرها سلاسل البيع بالتجزئة، لكنه أكد أن ذلك لا يعني تعرض البلاد لنقص شامل في الغذاء، مع بحث السلطات عن مسارات بديلة لتوصيل المنتجات مباشرة من مواقع الإنتاج إلى متاجر التجزئة، وفق ما نقلته رويترز.

بوتين شرقًا
وعلى المستوى الدبلوماسي، يتحرك بوتين خلال الأيام المقبلة باتجاه آسيا الوسطى في سلسلة لقاءات تجمعه بقادة دول يمثلون ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا في مواجهة الضغوط الغربية.
ومن المقرر أن يلتقي بوتين نظيره الصيني شي جين بينغ في بيشكك، عاصمة قرغيزستان، في 31 أغسطس/آب على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، فيما يشارك الزعيمان في قمة تستمر يومين وتضم أيضًا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقادة الهند وباكستان ودول أخرى.
بحسب مستشار السياسة الخارجية في الكرملين يوري أوشاكوف، ستتناول محادثات بوتين وشي القضايا الأهم على الأجندة الدولية، إلى جانب ملفات اقتصادية، من بينها احتمال استكمال مشروع خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2”.
أما لقاء بوتين مع بزشكيان، فمن المقرر أن يجري في 1 سبتمبر/أيلول، في ظل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط والضغوط الأميركية المتزايدة على طهران. ووصف أوشاكوف اللقاء بأنه مهم بصورة خاصة بالنظر إلى “الوضع المضطرب” في المنطقة.
وتعطي هذه التحركات بوتين مساحة أوسع للمناورة خارج المسار الغربي، في وقت تتواصل فيه الحرب في أوكرانيا، وتعمل واشنطن على اختبار نوايا موسكو عبر قنوات استخباراتية مباشرة، بينما تحاول كييف إبقاء باب التفاوض مفتوحًا رغم إدراكها أن الوصول إلى اتفاق سياسي لا يزال بعيدًا.
المصدر: العربية



