مقدمة سوسيولوجية وأنثربولوجية للسّياسة في السّودان (2-3)
أحمد يعقوب البِنى المؤسسة للاجتماع السوداني: (2) إن مقاربة مسألة “المجتمع” في السودان، ليست مجرد استعراض لتركيبة ديموغرافية أو وصف لتعدد إثني، بل هي غوص في أعماق التاريخ الأنثربولوجي والسوسيولوجي لتفكيك البنى الخفية التي تشكل نسيجَه الاجتماعي، وتحدد إيقاع حركته، بل وتسبغ عليه هويته المتشظية. فـ”المجتمع السوداني”، بهذا المعنى، ليس كياناً جامداً أو معطى نهائياً، بل هو حقل متوتر من العلائق، والصراعات، والتمثلات الرمزية التي تتأسس عبر زمن طويل من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين الجماعة والأخرى، وبين السلطة والهوية. من منظور سوسيولوجي تاريخي، يفرض علينا السؤال عن البنى المؤسسة لهذا المجتمع الانتقال من قراءة الأنساق الاجتماعية بوصفها مجرد أطر وظيفية، إلى قراءتها باعتبارها بنىً مخيالية، أي منظومات دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل. فهذه البنى ليست وليدة لحظة آنية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تمت صياغتها عبر أنساق ثقافية متوارثة، تجلت في القصص، والأشعار، والأمثال، والحكايات، التي شكلت معاً “نسقاً مخيالياً” ضابطاً. وهذا النسق ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هو أداة إنتاجية للواقع نفسه؛ فهو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم. وهنا تبرز الأنثربولوجيا الفلسفية كأداة نقدية، حين تكشف لنا أن هذا “المخيال” في السياق السوداني، وفي غياب مشروع وطني جامع، قد اتخذ شكلاً قبلياً ضيقاً. فالمخيال …
The post مقدمة سوسيولوجية وأنثربولوجية للسّياسة في السّودان (2-3) appeared first on سودان تربيون.
المصدر: سودان تربيون

