من الشهادة إلى صناعة الكفاءة
لم يعد تطوير البنية التعليمية في الكويت مسألة مرتبطة بزيادة عدد المدارس أو الجامعات، أو تحديث المباني والمناهج فقط، بل أصبح جزءاً أساسياً من مشروع الدولة للمستقبل، فالرؤية التنموية تحتاج منظومة تعليمية مرنة، تستطيع قراءة احتياجات سوق العمل قبل ظهورها، وتستعد للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمهنية، التي يشهدها العالم بسرعة غير مسبوقة، ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في العلاقة بين التعليم الأكاديمي والتعليم المهني والتدريب التطبيقي، بحيث تصبح جميعها مسارات متكاملة لبناء الإنسان الكويتي القادر على المشاركة الفعلية في التنمية، فهناك قطاعات جديدة تتوسّع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والصناعة والرعاية الصحية والإدارة الحديثة، وهذه القطاعات تحتاج كفاءات متنوعة لا يمكن توفيرها دائماً من خلال المسار الجامعي التقليدي وحده، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ من بناء منظومة قادرة على تحديد الفجوات المهنية والمهارية، ثم إعداد البرامج، التي تسدها بصورة سريعة ومنظمة.
إن فتح المجال أمام التعاون المنظم مع المؤسسات التعليمية المهنية ومراكز التدريب المتخصصة محلياً وعالمياً، يمكن أن يشكل خطوة نوعية في تطوير رأس المال البشري في الكويت، فهذه المؤسسات تستطيع تقديم برامج قصيرة ومتوسطة المدى مرتبطة مباشرة بالمهارات، التي تحتاجها الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمشاريع الجديدة، كما يمكن إقامة شراكات بين الجامعات والمعاهد المهنية والشركات الكبرى، لتصميم برامج تدريبية تنتهي بالتوظيف، أو تمنح شهادات مهنية معترفاً بها دولياً، وهذا النموذج لا يقلل من قيمة التعليم الجامعي، بل يعززها ويمنحها امتداداً تطبيقياً أكثر ارتباطاً بالواقع، ومن التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال التجربة الألمانية في التعليم المهني المزدوج، حيث يجمع المتدرب بين الدراسة النظرية داخل المؤسسة التعليمية والتدريب العملي داخل الشركات، وقد ساهم هذا النموذج في توفير عمالة ماهرة ومتخصصة، وربط التعليم مباشرة باحتياجات الاقتصاد، كما منح الشباب مسارات متعددة للنجاح بعيداً عن حصر المستقبل في الشهادة الجامعية وحدها، ويمكن للكويت الاستفادة من جوهر هذه التجربة، بما يتناسب مع طبيعة اقتصادها واحتياجات مجتمعها، من خلال شراكات مع مؤسسات عالمية، ونقل الخبرات وبناء برامج وطنية ذات جودة عالية.
الرؤية القادمة للكويت تحتاج الانتقال من مفهوم توفير الوظيفة إلى مفهوم صناعة الكفاءة، ومن معالجة النقص بعد حدوثه إلى التخطيط المبكر للمهارات، التي ستحتاجها الدولة خلال السنوات المقبلة، وهذا يتطلب وجود قاعدة بيانات دقيقة تربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتحدّد التخصصات التي تعاني من نقص أو فائض، مع منح المؤسسات التعليمية والتدريبية مرونة أكبر في استحداث البرامج وتحديثها، وتشجيع القطاع الخاص على أن يصبح شريكاً أساسياً في التدريب والتأهيل، وليس مجرد جهة تنتظر الخريجين، إن نجاح الكويت في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على بناء الإنسان المؤهل لإدارته وتشغيله وتطويره، وكل مورد يستثمر اليوم في التدريب النوعي والتعليم المهني والشراكات التعليمية سيعود مستقبلاً في صورة إنتاجية أعلى، وفرص عمل أفضل، واعتماد أقل على الخبرات الخارجية، والكويت تمتلك الإمكانات المالية والبشرية والمؤسسية، التي تؤهلها لتقديم نموذج متقدم في هذا المجال، ومع وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ والانفتاح على التجارب الدولية الناجحة، يمكن أن تتحول المنظومة التعليمية من مجرد مرحلة للحصول على المؤهل إلى محرك حقيقي للتنمية، يصنع الفرص، ويسد الثغرات، ويبني أجيالاً أكثر قدرة على قيادة مستقبل الكويت بثقة وكفاءة وطموح.
نقلاً عن القبس
المصدر: العربية – سياسة


