من الميكروفون إلى قاعة المحكمة… الراب المغربي يواجه اختبار حرية التعبير
لم يعد الميكروفون وحده المكان الذي يُسمع فيه صوت الرابور المغربي؛ فخلال الفترة الأخيرة، انتقلت كلمات عدد من فناني الراب من منصات الاستماع ومواقع التواصل الاجتماعي إلى أروقة الشرطة والمحاكم، في تطور أعاد بقوة سؤال حرية التعبير وحدود النقد الفني إلى الواجهة.
فبعد سنوات من اعتبار الراب مساحة مفتوحة للبوح والاحتجاج والتعبير عن غضب الشارع، وجد عدد من أسمائه أنفسهم في قلب قضايا قضائية، بعضها انتهى بأحكام، وأخرى ما تزال متواصلة، وسط موجة تضامن واسعة من الجمهور وفنانين وفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن أبرز الأسماء التي أثارت قضيتها اهتماماً واسعاً، الرابور والمخرج المغربي المهدي اليوبي، المعروف باسم « بلاك ويند »، الذي جرى توقيفه خلال شهر يوليوز ووضعه رهن الاعتقال الاحتياطي، في ملف يرتبط بتعبيراته ومواقفه النقدية، وهو ما خلف تفاعلاً قوياً داخل الساحة الفنية والحقوقية.
وبمجرد انتشار خبر توقيفه، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة تضامن، حيث انتشرت صوره ومقاطع من أعماله، وظهرت منشورات تطالب بالإفراج عنه، وتنتقد ما اعتبره أصحابها تضييقاً على حرية التعبير الفني.
ولم تقتصر مساندة “بلاك ويند” على جمهوره، إذ انخرط عدد من الفنانين والمثقفين والحقوقيين في حملة تضامنية معه، لتتحول القضية من ملف يخص فناناً واحداً إلى نقاش أوسع حول علاقة الإبداع بالسلطة والقانون.
وقبل هذه القضية، كان اسم الرابور جواد أصرادي، المعروف بـ »بوز فلو »، قد أثار بدوره جدلاً واسعاً، بعدما وجد نفسه أمام القضاء بسبب مضامين بعض أعماله الغنائية، لتنتهي القضية بحكم يقضي بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية.
وفي أعقاب ذلك، انقسم جمهور الراب بين من رأى أن بعض الكلمات تجاوزت حدود التعبير المقبول، وبين من اختار الدفاع عن الفنان، معتبراً أن طبيعة الراب نفسها تقوم على الجرأة والمواجهة والحديث بلغة الشارع، حتى عندما تكون الكلمات قاسية أو مستفزة.
ولم يكتف داعمو “بوز فلو” بالتعبير عن آرائهم، بل أطلق عدد منهم حملات تضامن عبر « فايسبوك » ومواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لتحويل القضية إلى نقاش عام حول حرية التعبير، وليس فقط حول مضمون أغنية أو عبارة بعينها.
وفي مدينة فاس، عاد الجدل إلى الواجهة مع توقيف الرابور طارق التازي، المعروف فنياً بـ »تي فلو »،على خلفية مقطع فيديو نشره عبر حسابه على “إنستغرام”، وتضمن عبارات مسيئة تجاه الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش، وفق المعطيات المتداولة بشأن القضية.
وتعددت الأسماء، لكن السؤال الذي يجمع هذه الملفات واحد: إلى أي حد يمكن للراب أن يحتفظ بلغته الصادمة والاحتجاجية عندما تصطدم كلماته بالقانون؟
فالراب لم يدخل المشهد المغربي باعتباره موسيقى للترفيه فقط. بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، كان ولا يزال مساحة للكلام عن أشياء يصعب قولها في أماكن أخرى؛ عن البطالة، والفقر، والتهميش، و »الحكرة » »، والضغط الاجتماعي، والسياسة، وعن تفاصيل الحياة اليومية في الأحياء الشعبية.
ومن هنا يمكن فهم حجم التعاطف الذي رافق بعض القضايا، فجزء من الجمهور لا يرى في التضامن مع الرابورات دفاعاً عن كل ما يقولونه، بقدر ما يعتبره دفاعاً عن حق الفنان في التعبير، وعن مساحة فنية نشأت أساساً من الرغبة في قول ما لا يقال بسهولة.
لكن في المقابل، يظل الجدل قائماً حول حدود هذه الحرية، خصوصاً عندما تتضمن الأعمال أو المنشورات عبارات تمس أشخاصاً أو مؤسسات. وهنا يجد الراب نفسه أمام معادلة صعبة، وهي الحفاظ على لغته الجريئة من جهة، وتحمل مسؤولية ما ينشره الفنان من جهة أخرى.
وبين هذا وذاك، تتحول قضايا الرابورات إلى مرآة لنقاش أكبر بكثير من الموسيقى نفسها.
فحين ينتقل الرابور من الاستوديو إلى مركز الشرطة، ومن الأغنية إلى المحكمة، فإن القضية لا تعود مرتبطة فقط بما قاله، بل بما تمثله كلماته لجيل كامل وجد في الراب لغة للتعبير عن نفسه.
وربما لهذا السبب تحديداً، لم تتوقف ردود الفعل عند حدود الوسط الفني، بل امتدت إلى الجمهور ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث باتت كل قضية جديدة تعيد فتح النقاش حول سؤال أساسي: هل يمكن حماية حرية التعبير دون إلغاء المسؤولية، وحماية القانون دون خنق الصوت الاحتجاجي للفن؟
المصدر: اليوم 24
