من يحمي الهوية الوراثية لثروتنا الحيوانية
في الماضي، كانت حماية الثروة الحيوانية تعني الحفاظ على السلالات المحلية، وتحسين إنتاجيتها، والحد من الأمراض التي تهددها.. أما اليوم، فقد أصبح هناك أصل آخر لا يقل أهمية عن الحيوان نفسه، لكنه لا يُرى بالعين المجردة؛ إنه هويته الوراثية. ومع التسارع غير المسبوق في التقنيات الحيوية، أصبحت هذه الهوية موردًا استراتيجيًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي.
لم تكن الإبل والخيول والأغنام المحلية بالنسبة لأهل هذه الأرض مجرد مصدر للغذاء، بل كانت جزءًا من قصة الإنسان في الجزيرة العربية. رافقته في أسفاره، وأعانته على التكيف مع بيئته، وحضرت في ثقافته وأدبه وموروثه، وارتبطت بأحداث شكلت تاريخ هذه الأرض. وعلى مدى قرون، تشكلت الهوية الوراثية لهذه المخلوقات بفعل الطبيعة والانتخاب والتكيف مع البيئة المحلية، حتى أصبحت تحمل خصائص فريدة تميزها عن غيرها من السلالات حول العالم.
وقد اتجهت العديد من الدول إلى إنشاء منظومات وطنية لإدارة البيانات الجينومية للثروة الحيوانية، حيث انصبت الأولوية خلال السنوات الماضية على إنتاج البيانات الجينومية، وبناء قواعد بيانات وطنية، وربط الجينوم ببرامج التربية. إلا أن المشهد تغيّر اليوم؛ فالتقنيات الحيوية الحديثة لم تعد تقتصر على قراءة الشفرة الوراثية، بل أصبحت قادرة على تعديلها وتطويرها بوتيرة غير مسبوقة. و لم تعد هذه البيانات تمثل معلومة ثابتة تُجمع مرة واحدة ثم تُحفظ، بل أصبحت تمتلك دورة حياة تمتد لعقود.
ومع هذا التحول، يفرض التسارع في التقنيات الوراثية الحديثة التفكير أيضًا في آلية لإدارة دورة حياة البيانات الجينومية، من خلال إطار يجمع بين سجل جينومي مرجعي وسجل زمني مترابط يوثق التغيرات الوراثية التي تطرأ على السلالات عبر دورة حياتها. ويمكن تصور ذلك من خلال نموذج يتكون من مستويين: المستوى الأول سجل وطني للبيانات الجينومية يمثل المرجع الأساسي للسلالات المحلية، والمستوى الثاني سجل ديناميكي يرتبط بالسجل الأول ويوثق جميع التغيرات التي تطرأ على الهوية الوراثية، سواء كانت ناتجة عن برامج التحسين الوراثي التقليدية، أو عن تقنيات التحرير الجيني، أو غيرها من التقنيات المستقبلية.
ويمثل هذا التوجه أساسًا لبناء بنية معلوماتية تدعم الابتكار في القطاع. فوجود سجل للتغيرات الوراثية يتيح تتبع مسار التطوير عبر الزمن، ويوفر مرجعًا علميًا يمكن الرجوع إليه عند الحاجة إلى التحقق من نتائج التحسينات الوراثية، أو إعادة تقييمها، أو معالجة أي إشكالات قد تظهر مستقبلًا. كما يوفر أساسًا موثقًا يمكن الاستناد إليه في إثبات الحقوق المرتبطة بالملكية الفكرية، وحماية حقوق الجهة المطورة للأصول الجينية، مثل سلالة محسّنة لإنتاج الحليب، أو سلالة تتميز بصفات مرغوبة في إنتاج اللحوم. كما يدعم ذلك مسارات التسويق التجاري لهذه السلالات والمنتجات الناتجة عنها، بما يعزز الثقة فيها، ويهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.
إن توثيق البيانات الجينومية للثروة الحيوانية، وتتبع ما يطرأ عليها من تغيرات، ضرورة في عصر أصبحت فيه البيانات أحد أهم الأصول الاستراتيجية. فالحفاظ على الهوية الوراثية لثروتنا الحيوانية هو حفاظ على إرثٍ تشكل عبر قرون من التعايش بينها وبين الإنسان وهذه الأرض. ومن مسؤوليتنا أن نسلمه إلى الأجيال القادمة موثقًا ومحفوظًا، ليواصلوا تطويره والبناء عليه.
نقلاً عن الرياض
المصدر: العربية – سياسة