«نازا»!
فى البندقية، تحولت السينما إلى شاهد على حرب غزة، حين حصد فيلم إسرائيلى جائزة وتصفيقا حادا، هذه التحية المستحقة للفن الهادف تؤكد أن القوة الناعمة تستطيع أن تقول الحقيقة، التى تعجز السياسة عن الاعتراف بها، حتى على لسان من وقفوا فى الجهة المضادة، فلا تروى غزة وحدها ما جرى، بل يتحدث إسرائيليون من داخل المؤسسة التى خاضت الحرب، لتصل الرواية إلى العالم كله. هذا ما فعله فيلم «نازا»، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، الذى حصد جائزة لجنة التحكيم، فأشعل فى إسرائيل حملة سياسية شرسة ضد صانعيه، إذ لا يقدم الفيلم رواية فلسطينية أو تقارير دولية يمكن اتهامها بالانحياز، بل شهادات 24 جنديا وضابطا إسرائيليا، تم تصويرهم سرا وأخفيت هوياتهم، يتحدثون عن استهداف فلسطينيين عن بعد، بينهم نساء وأطفال، ويكشفون عن التعليمات وآلية التنفيذ، فى شهادات يقدمها الفيلم كدليل دامغ على كيفية ارتكاب جرائم الإبادة. حتى العنوان يحمل دلالته: «نازا»، فهو اختصار عسكرى إسرائيلى لتقدير المدنيين الذين سيقتلون فى عملية تستهدف هدفا عسكريا، بما يطرح سؤالا: هل كان عدد الضحايا معروفا قبل الضربة وداخلا فى حساباتها؟! هنا يتجاوز الفيلم السينما، إذ تواجه إسرائيل مأزقا مختلفا حين تأتى الرواية من داخلها، وبالطبع رفض الجيش الفيلم، ونفى استقلال الذكاء الاصطناعى فى تحديد الأهداف، وشكك فى هويات بعض المصادر، وأمر رئيس الأركان إيال زامير بفحص تسريب مواد سرية، لكن الرد وسع القضية إلى حق الإسرائيليين فى كشف ما يرونه وحدود معاقبة أصحاب الرأى المخالف. هنا يدخل نيتانياهو على خط الأزمة، فقبل انتخابات الكنيست فى 27 أكتوبر، ربط الفيلم بمنافسيه غادى آيزنكوت ويائير جولان، لكن آيزنكوت أدانه ووصفه بالمشوه، لذا يصعب اختزاله فى إنتاج للمعارضة، بينما أعلن نيتانياهو السعى لتشريع يسحب الجنسية ممن يسيئون إلى الجنود أو الدولة. قد لا يغير «نازا» سياسة إسرائيل أو يحسم الحرب، لكن أثره فى كسر احتكار الرواية: فالشهادة جاءت من إسرائيليين خدموا فى المؤسسة العسكرية والاستخبارية، وبها فتح الفن نافذة على حقيقة يصعب إخفاؤها، فإذا كان الفيلم كاذبا، فكان الأفضل تفنيد شهاداته ووثائقه؛ أما ملاحقة صانعيه وربطه بالانتخابات، فتجعل السؤال: لماذا تخشى إسرائيل سماع رواية الحرب من داخلها؟!
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة





