واشنطن تتدخل باليورو لدعم الين.. هذا ما تخشاه أميركا!
شاركت الولايات المتحدة في تدخل منسق مع اليابان لدعم الين للمرة الأولى منذ عام 1998، في خطوة أثارت تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك الاستثنائي، وسط تراجع العملة اليابانية إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار منذ نحو أربعة عقود.
وجاء التدخل بعدما هبط الين إلى 163.73 ين مقابل الدولار الأسبوع الماضي قبل أن يتعافى إلى 157.57 ين، ما زاد من مخاوف طوكيو بشأن تداعيات ضعف العملة على الاستقرار المالي والاقتصادي.
ورجح محللون أن يكون أحد أبرز دوافع واشنطن هو تجنب اضطرار اليابان إلى بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأميركية لتمويل تدخلات أحادية في سوق الصرف. وتُعد اليابان أكبر حائز أجنبي للدين الحكومي الأميركي، ما يعني أن أي عمليات بيع واسعة قد تضغط على أسواق السندات الأميركية والدولار، وفقاً لتقرير موسع لشبكة “CNBC”، اطلعت عليه “العربية Business”.
وأشارت رئيسة قسم اقتصاديات آسيا في “أوكسفورد إيكونوميكس”، لويز لو، إلى أن المشاركة الأميركية تحمل جانباً من “حماية المصالح الذاتية”، إذ قد يؤدي أي اضطراب ناجم عن سياسات مالية يابانية أكثر عدوانية إلى انتقال التقلبات نحو سوق الخزانة الأميركية وزعزعة استقرار الدولار.
وعززت طوكيو وواشنطن هذا التوجه عبر تسليط الضوء على آلية إعادة الشراء الدائمة (FIMA Repo) التابعة للاحتياطي الفيدرالي، والتي تسمح للبنوك المركزية الأجنبية بالحصول على سيولة بالدولار دون الحاجة إلى بيع سندات الخزانة الأميركية. وأعلنت وزارة المالية اليابانية أنها تعتزم الاستفادة من هذه الأداة في أي تدخلات مستقبلية.
ويرى كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في “ستيت ستريت”، ماساهيكو لو، أن الإشارة إلى هذه الآلية قد تكون أكثر أهمية من التدخل نفسه، لأنها تطمئن الأسواق بأن اليابان قادرة على تأمين الدولار دون ممارسة ضغوط على أسواق التمويل الأميركية من خلال بيع السندات الحكومية.
كما امتدت المخاوف الأميركية إلى ما هو أبعد من سوق العملات، إذ قد يؤدي استمرار ضعف الين إلى موجة بيع إضافية للسندات الحكومية اليابانية، ما يرفع العوائد وينعكس على أسواق السندات العالمية في وقت تواجه فيه اليابان والولايات المتحدة ارتفاعاً في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل. وارتفع بالفعل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو 57 نقطة أساس منذ بداية العام.
مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية اليابانية
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مشاركة الولايات المتحدة في التدخل جاءت دعماً لليابان وحفاظاً على الاستقرار الاقتصادي العالمي، فيما رأى محللون أن الخطوة تعكس أيضاً أولويات اقتصادية وجيوسياسية أوسع.
ولفتت “أوكسفورد إيكونوميكس” إلى أن واشنطن تعتبر الين مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية، وهو ما يمنح الصادرات اليابانية ميزة تنافسية. كما قد يمنح التدخل المنسق بنك اليابان مزيداً من الوقت إلى حين استئناف رفع أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، باعتبار أن قوة الين على المدى الطويل تتطلب تشديداً نقدياً أكثر من الاعتماد على التدخلات المتكررة.
واعتبر المدير التنفيذي في “مونكس”، جيسبر كول، أن العملية تعكس دخول العلاقات الأميركية اليابانية مرحلة جديدة في عهد ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي، مضيفاً أن الرسالة الأساسية للتدخل هي أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب اليابان عند الحاجة. كما يرى أن الخطوة تحمل رسالة غير مباشرة إلى الصين مفادها أن التحالف بين واشنطن وطوكيو بات أكثر استعداداً للتحرك المشترك.
وأوضح فيشنو فاراثان من “ميزوهو للأوراق المالية” أن فعالية التدخلات في سوق الصرف تزداد بشكل كبير عندما تشارك فيها وزارة الخزانة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي، لأن ذلك يعزز قناعة المستثمرين باستعداد السلطات للتدخل مجدداً عند الضرورة، ما يرفع تكلفة الرهانات المضاربية ضد الين.
شكوك حول فعالية التدخل
ورغم الترحيب الأولي بالخطوة، أثارت تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة باعت اليورو بدلاً من الدولار لشراء الين حالة من الاستغراب في الأسواق، إذ جرت العادة أن تمول مثل هذه العمليات من الأصول المقومة بالدولار.
وانتقد الباحث في معهد بروكينغز، روبن بروكس، آلية التنفيذ، معتبراً أنها تربك الأسواق وقد تأتي بنتائج عكسية. وقال إن المشاركة الأميركية كان يفترض أن تعزز مصداقية التدخل، لكن بيع اليورو بدلاً من الدولار أثار تساؤلات أكثر مما قدم إجابات.
وأضاف أن التدخلات وحدها غير قادرة على عكس الاتجاه طويل الأجل للين طالما بقيت عوائد السندات اليابانية منخفضة بشكل مصطنع. فعلى الرغم من إنهاء بنك اليابان رسمياً سياسة التحكم بمنحنى العائد في مارس 2024، فإنه لا يزال يشتري كميات كبيرة من السندات الحكومية، ما يبقي تكاليف الاقتراض أدنى من مستوياتها الطبيعية.
وأشار محللون في تقييمهم إلى أن التدخل قد ينجح في تهدئة الأسواق خلال الأشهر المقبلة، لكنه لن يغير المسار الهيكلي للين ما لم تتخذ اليابان خطوات أكثر وضوحاً نحو تطبيع السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة. فالتدخلات، بحسب وصفهم، تشتري الوقت لكنها لا تعالج جذور المشكلة.
المصدر: العربية – اقتصاد





