وداعاً لـ”التفكير الإيجابي”.. مرحبا بعصر “التفاؤل المرن”
في عالم يبدو أحياناً وكأنه خرج عن السيطرة، قد يصبح الحفاظ على نظرة متفائلة مهمة شاقة. لكن التفاؤل، وفق طرح جديد، لا يتطلب إنكار الأزمات أو إجبار النفس على الابتسام، بل يمكن أن يكون مهارة تُكتسب وتُمارس يومياً.
وبحسب تقرير نشره موقع “Psychology Today”، تطرح ميشيل جيلان، المذيعة السابقة في شبكة “CBS” والباحثة في علم النفس الإيجابي، في كتابها “التفاؤل المرن: علم الحفاظ على عقلية إيجابية في الأوقات العصيبة”، مفهوماً يبتعد عن وصفات “التفكير الإيجابي” التقليدية.
فبينما يولد الإنسان بميول وسمات شخصية مختلفة، ترى جيلان أن التفاؤل ليس حكراً على أصحاب الشخصيات المرحة، وإنما ممارسة يمكن تعلمها وتعزيزها بمرور الوقت.
وبدأ اهتمامها بهذا المجال خلال عملها في “CBS” أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما حاولت معرفة الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص أكثر قدرة من غيرهم على التعامل مع الأزمات.
ليس تجاهلاً للواقع
يتحفظ كثيرون على خطاب الإيجابية الذي يطالب الإنسان بالابتسام وسط الحزن والإرهاق وعدم اليقين، أو التصرف وفق مبدأ “تظاهر بالإيجابية حتى تصبح حقيقة”.
لكن “التفاؤل المرن” الذي تطرحه جيلان مختلف. فهو لا يعني تجاهل المشكلات، وإنما تدريب الانتباه والعادات وطريقة الاستجابة للضغوط بما يساعد على إبقاء مساحة للأمل والعمل.
وتكتسب الفكرة أهمية أكبر مع تزايد مشاعر العزلة والانفصال الاجتماعي. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، يقول نحو واحد من كل خمسة شباب حول العالم إنه لا يملك شخصاً يمكن الاعتماد عليه للحصول على الدعم.
كما يشير تقرير “غالوب” لعام 2026 حول بيئة العمل إلى تراجع اندماج الموظفين وتفاعلهم مع العمل إلى 20%، بالتزامن مع استمرار مستويات مرتفعة من التوتر والغضب والحزن.

تغييرات صغيرة
وبدلاً من المطالبة بتحولات جذرية، تركز جيلان على ممارسات صغيرة قابلة للتكرار.
وتبدأ بإعادة ضبط طريقة التفكير عبر ملاحظة الأشياء الجيدة والإنجازات الصغيرة واختيار المعلومات التي يستهلكها الشخص بوعي أكبر.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في تغيير النظرة إلى التوتر، بحيث لا يُفسر دائماً باعتباره علامة على الفشل، بل قد يكون أحياناً إشارة إلى أن الشخص يتعامل مع أمر مهم بالنسبة إليه.

كما تدعو إلى إعادة ترتيب الالتزامات، والتخلص قدر الإمكان من المهام التي تستنزف الوقت والطاقة من دون أثر حقيقي.
وتضع الراحة في قلب هذه الاستراتيجية، باعتبارها وسيلة للوقاية من الاحتراق النفسي وليست مكافأة تأتي بعد الوصول إليه. ووفق دراسة أوردها الكتاب، كان الأشخاص الذين حصلوا على 11 يوماً أو أكثر من الإجازة سنوياً أكثر احتمالاً بنسبة 30% للحصول على زيادة في الراتب أو ترقية.
أما الممارسة الأخيرة فتركز على البحث عن الروابط والأنماط الإيجابية في التفاصيل اليومية، واستثمار اللحظات الصغيرة التي تمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والقدرة على الفعل.

وتربط دراسات يستعرضها الكتاب بين التفاؤل وتحسن بعض مؤشرات الصحة والأداء، لكن هذه الروابط لا تعني بالضرورة أن التفاؤل وحده هو السبب المباشر وراء تلك النتائج، إذ يمكن أن تتداخل عوامل صحية واجتماعية وسلوكية أخرى.
وتبقى خلاصة جيلان بسيطة: “التفاؤل المرن” لا يتطلب أن يرى الإنسان كل شيء بصورة وردية، وإنما أن يختار، مرة بعد أخرى، الخطوة الصغيرة والبناءة التالية.
المصدر: العربية



