وزراء أم مدراء مكاتب؟
الكتل السياسية في بلاد الرافدين منا كل الشكر، فأخيراً وبعد كل هذه السنوات من التجريب النظري، قررت أن تضع لنا خريج دراسات إسلامية على كرسي وزارة النقل، مثلما أصرت أن تجامل نائباً أخبرنا ذات يوم بأنه سيفجر أنبوب النفط بين العراق والأردن إذا تم تشغيله لتسلمه وزارة الاتصالات، وأن تجلس مدير مكتب على كرسي وزارة الصناعة، ولأننا نعيش عصر الازدهار في التربية والتعليم فكان لا بد من وضع أحد وجهاء العشائر على كرسي وزارة التربية، وأن ننتظر كيف سيطور عامر الخزاعي التعليم العالي في العراق لو تسنى له الحصول على مقعد وزير التعليم العالي، وأن تضع رأسها في الرمال ولا ترى أننا نعاني من أزمة اقتصادية فنختار وزراء لا يملكون اختصاصاً علمياً، ليتحول المنصب الوزاري إلى منصب سياسي لا منصب خدمي. وخلاصة ما نمر به تقول: إن بعض القوى السياسية قررت أن تجرب في الشعب كيف يمكن أن يتحمل أربع سنوات، بعد أربع سنوات في ظل أزمة الكهرباء التي لا تنتهي برغم ال 100 مليار التي صُرِفت عليها وذهبت لجيوب الفاسدين، وغياب الخدمات، والبطالة، وتلاعب الدولار بأحوالنا، وأزمة السكن، وتوقف تصدير النفط.
ولأنها تجربة تستحق أن نخوضها وبشجاعة فإنني أستغرب التصريح الذي أطلقه أحد المحللين السياسيين “المغرضين” بالتأكيد، والذي اتهم فيه بعض الوزراء بأنهم غير مختصين، وقد فات السيد “المحلل” أننا في زمن بناء حكومة “الشراكة” في كل شيء بدءاً من المناصب وانتهاءً بالمواطن. بعد كل انتخابات عندما تنطلق صفارة تقاسم الحصص، يكون الخطاب الموحد لمعظم القوى السياسية بأن لا خيار سوى تشكيل حكومة تكنوقراط، فالمرحلة المقبلة مرحلة خدمات لا مرحلة مزايدات سياسية، ويتفق أكثر القادة السياسيين على تبني شعارات تتغنى بالخبرات وأهميتها في بناء الوطن. ولكن ما أن ينتهي السباق الانتخابي حتى نجد الكثير منا وقد فتحت عيونه على حقيقة الوهم الذي عشناه تحت ستار الديمقراطية العراقية.. ليصدق الذين لم يكونوا يصدقون أن النظام السياسي في العراق يتراجع خطوات كبيرة إلى الوراء وأضحى بأمس الحاجة إلى هزة من الأعماق تعيد بناءه من جديد، وأن البعض من الذين قفزوا في قطار السلطة غير قادرين على ملاحقة تطورات العصر، والخروج من نفق التعصب الديني والفكري إلى آفاق الحرية والديمقراطية الحقة. ومن دواعي الأسف الشديد أن أساليب الممارسة السياسية في العراق أفسدت قطاعات سياسية واسعة عن طريق نشر الرشوة، وشراء الذمم، وتغليب قيم التبعية، والانصياع لمنطق السلطة والمال، ولكنها بالمقابل نجحت في كشف زيف بعض القوى السياسية التي تباهت بالدولة المدنية ورفعت لواء العلمانيةمواطنة لأن الناس اكتشفوا زيف الشعارات الكاذبة والوعود الخادعة.
نقلاً عن “المدى”
المصدر: العربية – سياسة




