يفر هرباً من الماء إلى اليابسة… قصة “السمك الأعمى” في السودان
على ضفة نهر عطبرة، لا يبدو المشهد عادياً، فعشرات الأسماك تتكدس عند حافة المياه العكرة، بعضها يطفو على السطح، وأخرى وصلت إلى اليابسة، في مشهد يتكرر، وفق روايات سكان محليين، مع موسم “الدميرة”، وهي التسمية التي درج السودانيون على إطلاقها على موسم الفيضان.
السودانيون يسمونها “السمك الأعمى”؛ لكن ما الذي يحدث لهذه الأسماك فعلاً؟ هل أفقدها الطمي بصرها، أم أن العكارة الشديدة تحجب عنها الرؤية مؤقتاً؟ وهل خروجها من الماء إلى «القيف»، أي ضفة النهر أو حافته في التعبير السوداني المحلي، محاولة للفرار من مياه باتت تعيق تنفسها، أم أن هناك تفسيراً بيئياً آخر لم يُحسم بعد؟
المشهد الغريب الذي يبدو للوهلة الأولى كأنه نفوق جماعي، قد يكون في الحقيقة محاولة جماعية للنجاة من مياه شديدة العكارة والطمي والرواسب.

حين يتحول الماء إلى اختبار للبقاء
في تصريح خاص لـ”العربية.نت”، يفسر الدكتور الصادق أرباب، رئيس قسم الأسماك بكلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية في جامعة بحري، واستشاري علوم الأسماك وتقنيات الاستزراع السمكي، المشهد الذي يبدو، كأنه مفارقة يصعب تصديقها، باعتباره استجابة طبيعية للتغيرات المفاجئة في البيئة المائية.
ويقول أرباب إن هطول الأمطار بغزارة يدفع كميات كبيرة من المياه، المحملة بكميات كبيرة من الطمي، عبر سد النهضة وسد الروصيرص، قبل أن تعبر مجاري المياه باتجاه الشمال، ما يرفع مستويات العكارة في هذه الفترة.
وبحسب الخبير، تتأثر الأسماك السطحية التي تعتمد على الرؤية في العثور على غذائها عندما تصبح المياه شديدة العكارة. كما أن هذه الأسماك لا تستطيع السباحة عكس التيار في بعض الظروف، فتندفع مع حركة المياه، بينما تدخل العكارة والطحالب والطمي إلى الخياشيم، فتزداد صعوبة التنفس.
ويشرح أرباب أن السمكة تجد نفسها في هذه الحالة بين استهلاك طاقتها في محاولة التنفس والتخلص مما يدخل إلى خياشيمها، وبين ممارسة نشاطها الطبيعي، من التغذية والحركة وغيرها.
ويضرب الخبير المختص مثالاً بالإنسان الذي يتعرض للخنق؛ فإذا حاول أحد خنقه من القصبة الهوائية، فإنه «يفرفر» ويبذل كل قوته للتخلص من مصدر الاختناق. ويقول إن السمكة تمر بحالة شبيهة، إذ لا يكون أمامها في تلك اللحظة سوى محاولة التخلص مما يعيق تنفسها.
وقد يدفعها ذلك إلى محاولة الخروج نحو الضفاف أو الشواطئ، بحثاً عن مياه أقل عكارة، فيما تصبح الأسماك مترنّحة ومضطربة، وتطفو على سطح المياه، فتغدو سهلة الاصطياد، فيما يقفز بعضها إلى اليابسة هرباً من الاختناق، بعدما يتسلل الطمي والعكارة إلى خياشيمها.
«الدميرة»… موسم السمك المضطرب
ويصف أرباب هذه الفترة بأنها «الدميرة» أو «السيكرانة»، وهي تسمية محلية لحالة الاضطراب والترنح التي تصيب الأسماك مع اشتداد العكارة، وتمتد تأثيراتها، بحسب إفادته، حتى بحيرة النوبة في شمال السودان.
ويشير إلى أن دخول هذه المياه إلى البحيرات يؤثر في شفافية المياه، وتوزيع الأسماك، وكذلك في توزيع الطحالب والكائنات الحيوانية الدقيقة التي تتغذى عليها الأسماك.
ومع تغير هذه الظروف، يتغير توزيع الأسماك أيضاً. ويقول الخبير إن وصول «الدميرة» إلى منطقة وادي حلفا يتزامن مع إنتاج سمكي مرتفع، لأن السمك يكون مضطرباً ويطفو على السطح، فيسهل صيده.
ولا يربط أرباب الظاهرة بالضرورة بوجود خطر دائم على الأسماك، بل يصفها بأنها ظاهرة طبيعية تتكرر مع الموسم.
سد النهضة… هل يخفف الطمي؟
وفي هذا السياق، يرى أرباب أن من إيجابيات سد النهضة الإثيوبي تخفيف الإطماء، متوقعاً أن تقل مستويات الإطماء والعكارة والترسيب أكثر خلال السنوات المقبلة. ويشير إلى أن تأثير المياه المحملة بالطمي لا يقتصر على منطقة واحدة، بل يمتد مع حركة المياه شمالاً، مؤثراً في شفافية البحيرات وتوزيع الأسماك والطحالب والكائنات الدقيقة التي تشكل جزءاً من النظام الغذائي للأسماك.
ومع وصول المياه إلى المناطق الشمالية، تتداخل المياه القادمة من روافد ومصادر مختلفة، ما يخفف من حدتها تدريجياً قبل وصولها إلى البحيرات، وفق شرحه.
عطبرة… نهر الطمي والسمك
يشار إلى أن نهر عطبرة أحد روافد نهر النيل، وينبع من المرتفعات الإثيوبية، ويعبر السودان قبل أن يصب في النيل قرب مدينة عطبرة، على مسافة تقارب 320 كيلومتراً من الخرطوم. وهو نهر يتبدل وجهه مع الفصول؛ إذ يندفع في موسم الأمطار محملاً بالمياه والطمي والرواسب، ثم ينحسر تدفقه بشدة خلال موسم الجفاف.
وعلى مجراه يقع خزان خشم القربة، المرتبط بالري والزراعة في مشروع حلفا الجديدة، فيما تضم منظومة أعالي عطبرة وستيت سدي روميلة وبردانة. وتشكل الزراعة والصيد جزءاً مهماً من الحياة الاقتصادية حول النهر.
وبين اسم شعبي عمره سنوات، ومياه تحمل الطمي من أعالي النيل، وأسماك تكافح العكارة والتيار واختناق الخياشيم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل “السمك الأعمى” سمك فقد بصره فعلاً، أم سمك يحاول فقط النجاة من موسم تصبح فيه المياه نفسها خصماً للحياة؟
المصدر: العربية


