العمدة والرئيس
زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقر عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، قبل إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يمنع الخلاف السياسي العميق بينهما من قيام الرئيس بهذه الزيارة وبعقد مؤتمر صحفي مع الصحفيين ووسائل الإعلام التي منع بعضها ترامب من دخول البيت الأبيض.
ولم يتردد ترامب في القيام بهذه الزيارة رغم التناقض السياسي الموجود بين الرجلين، ودخولهما أثناء انتخابات عمدية مدينة نيويورك وبعدها في سجالات عنيفة، كما أن ممداني لم يتردد أثناء المؤتمر الصحفي من القول إنه يقبل حضور جميع الصحفيين من كل الاتجاهات حتى أشد منتقديه، في رسالة ضمنية للرئيس ترامب الذي منع قناة CNN من دخول البيت الأبيض، وهو أيضا يعلم إنه لن يقال من منصبه لأنه ببساطة جاء بإرادة الناخبين وليس بقرار إداري من الرئيس.
وقد سبق هذا اللقاء مشهد استقبال ترامب لممداني في البيت الأبيض، والذي اتضح فيه كيف أن الديمقراطية ومبادئ دولة القانون تعلي من قيمة المصلحة العامة، وتعمل على الوصول إلى حلول وسط بين القوى المتصارعة، وتنقل البرامج الحالمة والشعارات الكبيرة وأحيانا الأفكار المتطرفة إلى الاعتدال والحلول العملية وقبول التنوع والخلاف.
والحقيقة، أن مشهد لقاء الرئيس الأمريكي مع عمدة نيويورك “يدرس”؛ لأنه حين انتقل كل طرف من شعاراته السياسية واتهاماته للآخر أثناء الحملة الانتخابية إلى الممارسة العملية وتحديدا ممارسة السلطة تغير الحال، فالرئيس قال عن ممداني إنه شيوعي، والأخير قال عنه إنه “فاشي”، وهي شعارات “ليس عليها جمرك”، كما أن كل طرف ينتمي لمدرسة في الحكم والإدارة عكس بعضها، ومع ذلك، نجحت دولة المؤسسات في أن تضبطهما على التعاون من أجل الصالح العام دون أن تلغي الخلاف السياسي بينهما.
واللافت، أن من رأى استقبال ترامب العام الماضي، لممداني في البيت الأبيض، وشاهد أول أمس مؤتمرهما الصحفي في مقر عمدة نيويورك، سيتأكد من أن لغة الخطاب التي استخدمها كل طرف في مواجهة الآخر أثناء الانتخابات قد اختفت، فمن يصدق أن العمدة الذي قال للرئيس بكل جرأة وتحدي لحظة فوزه في الانتخابات: “دونالد ترامب، بما أنني أعلم أنك تشاهد، فلديّ أربع كلمات لك: ارفع مستوى صوت تلفازك”، وإن ترامب الذي فعل كل ما بوسعه لإسقاطه دون أن يخل بالقواعد القانونية والديمقراطية، ووصفه بأنه يُمثل المستقبل “الشيوعي” للحزب الديمقراطي، قد جلسا معا واستقبل العمدة الشاب الرئيس في مقره، وأكد على تعاونه معه لصالح المدينة والصالح العام، ودون أن يعني ذلك إنه سيتحالف معه أو سيشاركه أفكاره.
صحيح، أن طبيعة الرئيس ترامب الذي يحب المنتصرين والأقوياء حتى لو كانوا خصومه سهلت من التواصل بينهما، فكما هو معروف ترامب يحب روسيا القوية أكثر من أوكرانيا التي يراها ضعيفة، ويتغزل في إسرائيل القوية رغم إنها دولة استعمارية وحكومتها ارتكبت جرائم إبادة جماعية بحق “الفلسطينيين الضعفاء”، كما يحب الصين ويتعامل معها بطريقة تختلف عن أي دولة حليفة له، يشعر إنها في وضع ضعف، ولذا هو وضع ممداني في خانة الأقوياء المنتصرين فقد فاز من الجولة الأولى من الانتخابات وباكتساح في مواجهة من دعمهم ترامب، ولا زال لدية شعبية كبيرة، وأصبح العمدة القوي الذي يسعي أن يتعامل معه بصرف النظر عن كون النظام الديمقراطي يدفعه إلى ذلك أم لا فهو أيضا رجل الأقوياء والمنتصرين.
ولذا لم يكن غريبا أن يتفق الرجلان في حديثهما عن رغبتهما في تسهيل حياة أهل نيويورك، وجعلها أفضل، وتكلما عن مشكلات الناس المعاشة، وإنها هدف تحركاتهما وتعاونهما لصالح المواطن وبصرف النظر عن الخلاف الأيديولوجي والسياسي بينهما.
إن كل فريق سياسي وحزبي في النظم الديمقراطية لديه قاعدة اجتماعية، ويعبر عن مصالح فئات مختلفة ليس من مصلحتها الاستهانة بقيمة ومعنى الصالح العام الذي يستفيد منه المواطنون من كل الاتجاهات، ولذا نجد على خلاف البلاد غير الديمقراطية، فإن الأحزاب السياسية هي إما تنظيمات عقائدية تضم العشرات ومعزولة عن الناس، وإما سلطة استبدادية تدافع عن مصالح المنتفعين منها بعيدا أيضا عن أغلب الناس، وهذا على خلاف البلاد الديمقراطية التي يوجد بها صراع وتنافس بين تيارات ومشاريع سياسية يحكمها الدفاع عن المواطنين والصالح العام.
ولذا علينا ألا نندهش إذا وجدنا أن بعض مؤيدي ترامب أيدوا ممداني.
صحيح أنهم أقلية إلا أنه عكس اهتمام جانب من الناخبين بالبرنامج الانتخابي أكثر من الأفكار والتوجهات السياسية، ولذا سنجد أن حديث ممداني عن أن دعم إسرائيل بالسلاح لا يساهم فقط في ارتكاب جرائم إبادة جماعية، إنما يتحمله دافعو الضرائب الأمريكيين، ربط بذكاء بين تدهور أحوال الناس المعيشية وبين دعم إسرائيل.
رغم التحديات والخلافات بين الرجلين إلا أنهما أثبتا قدرتهما على العمل سويا من أجل الصالح العام، وهي نقطة أساسية تحسب لأي نظام ديمقراطي ولدولة القانون والمؤسسات والتي تضع حدودا للصراع والخلاف السياسي، وتجعله عادة في صالح المواطن وليس صالح فئات ضيقة معزولة عن عموم الشعب.
<p>The post العمدة والرئيس first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360


