السودان.. الحرب التي تأكل الدولة
في السودان، يبدو أن الطريق إلى الحرب أصبح أسهل من الطريق إلى السلام، وأن وصول السلاح أسرع من وصول الغذاء والدواء. طائرات مسيّرة تعبر مسافات شاسعة لتضرب أهدافها، بينما لا تجد قرى كاملة في غرب كردفان مستشفى أو دواءً لمواجهة وباء الكوليرا.
الدولار يصعد، والجنيه ينهار، والملايين ينزحون، ومؤسسات الدولة تتآكل، فيما يواصل المتحاربون وحلفاؤهم الإقليميون والدوليون البحث عن مكاسب جديدة في حرب لم تعد تستهلك أرواح السودانيين فقط، بل تستهلك الدولة نفسها.
هذه هي الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها الآن: السودان لا يواجه مجرد حرب طويلة؛ إنه يواجه تحول الحرب إلى نظام لإعادة إنتاج الانهيار.
فالحرب التي اندلعت في إبريل 2023 باعتبارها صراعاً على السلطة بين الجيش والدعم السريع، تمددت جغرافياً، وتشعبت إقليمياً، وتغلغلت في الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة.
وكلما طال أمدها، لم يعد الرهان فقط على من ينتصر عسكرياً، وإنما على من ينجح في الاحتفاظ بأكبر قدر من الأرض والموارد والمؤسسات والنفوذ عندما تنتهي المعارك.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد تقدم عسكري لطرف أو تراجع آخر.
لأن الدولة التي تتآكل وظائفها يوماً بعد يوم قد لا تستعيد وحدتها بمجرد توقف إطلاق النار.
ولعل ما طرحه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة “مايكل والتز”، والمستشار الرئاسي الأمريكي “مسعد بولس”، في دفاعهما عن مشروع قرار لتوسيع حظر الأسلحة على السودان، يكشف جانباً مهماً من هذه الحقيقة.
فواشنطن تقول إن السلام لن يُزهِر ما لم تُجفف منابع السلاح، وإن حظر الأسلحة الذي يقتصر على دارفور لم يعد مواكباً لحرب امتدت إلى كردفان والنيل الأزرق، وتحوّلت فيها الطائرات المسيّرة إلى أحد أهم أدوات القتل.
هذه ليست ملاحظة هامشية، إنها اعتراف بأن الجغرافيا القديمة للحرب لم تعد قائمة، وأن آليات التعامل الدولي معها تأخرت عن واقع الميدان.
فالسلاح لا يتوقف عند حدود إدارية، والشبكات التي تموّل وتشتري وتنقل وتورد قطع الغيار لا تعترف بالخرائط التي ترسمها قرارات مجلس الأمن.
لكن المشكلة أعمق من حظر سلاح هنا أو عقوبات هناك.
السؤال الحق هو: لماذا أصبح استمرار الحرب ممكناً إلى هذا الحد؟
الإجابة لا توجد في الخرطوم وحدها، ولا في الفاشر أو الأبيض أو الدلنج أو الدمازين.
ثمة شبكة أوسع من المصالح والتدخلات الإقليمية والدولية، ومن اقتصاد الحرب الذي يجعل استمرار القتال بالنسبة لبعض الفاعلين أقل كلفة من الذهاب إلى تسوية سياسية قد تعني فقدان النفوذ والمكاسب.
وهنا يصبح انهيار الجنيه أحد المؤشرات الأكثر دلالة.
فالعملة لا تنهار في الفراغ، حين يقترب الدولار من مستويات قياسية في السوق الموازي، بينما تتسع دائرة الفقر وتتراجع القدرة الشرائية، فإن ذلك يعكس اقتصاداً فقد جزءاً كبيراً من إنتاجه، وانقسمت أسواقه، واستنزفت موارده، وتعددت مراكز الإنفاق والسيطرة داخله.
الاقتصاد، في هذه الحالة، لا يصف الحرب فقط؛ بل يكشف بنيتها.
والأخطر أن الاقتصاد السوداني لا يواجه أزمة ركود عادية يمكن علاجها بحزمة نقدية أو مالية.
نحن أمام “اقتصاد حرب”: إنتاج متراجع، طرق تجارية مضطربة، أسواق مجزأة، ملايين النازحين، بنية تحتية مدمرة، وإنفاق عسكري متصاعد، وملايين المواطنين الذين يعيشون خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية.
لكن حين ننزل من مستوى الأرقام إلى حياة الناس، تصبح الصورة أكثر قسوة.
في غرب كردفان، عادت الكوليرا إلى الظهور في قرى محلية “الأضية”، بحسب إفادات محلية في مطلع سبتمبر.
ظهرت الحالة الأولى في قرية “عيال حسين”، ثم امتد المرض إلى “عريس” و”شق الكداد” و”أم خشمين”.
وبحسب المعلومات المتداولة، سجلت المنطقة نحو 70 إصابة و16 وفاة خلال أيام، في ظل غياب مستشفى قادر على تقديم الحد الأدنى من العلاج، ونقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية والمعينات.
رغم أن هذه الأرقام تحتاج إلى التحقق المستقل، لكنها حتى في حدها الأدنى تقول شيئاً بالغ الدلالة: هناك مناطق في السودان يصل إليها أثر الحرب أسرع من وصول الدولة.
المفارقة أن الحرب الحديثة تستطيع أن تنقل المسيّرات والذخائر ووسائل القتل إلى مسافات بعيدة، بينما يعجز المرضى عن الوصول إلى دواء أو مستشفى. وفي بلد تتحدث فيه القوى المتحاربة عن الانتصار والسيادة ومستقبل الدولة، يموت مواطنون بسبب مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه، إذا توافرت المياه الآمنة والرعاية الصحية الأساسية.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة على الأرض أو امتلاك السلاح، وإنما بقدرتها على حماية حياة مواطنيها.
وعندما يصبح مستشفى صغير في منطقة نائية خارج قدرة الدولة، فإن المشكلة لا تكون في نقص الدواء وحده، بل في تراجع الوظيفة العامة للدولة.
وهذا يقودنا إلى الخطر الأكبر: الانقسام المؤسسي.
فإعلان نتائج الشهادة السودانية في مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور لا ينبغي النظر إليه، باعتباره واقعة تعليمية منفردة. إنه جزء من تطور أوسع: سلطات الأمر الواقع تبدأ، تدريجياً، في ممارسة وظائف كانت حكراً على الدولة المركزية.
وإذا استمر المسار، فقد تنتقل المنافسة من السيطرة على المدن والأقاليم إلى السيطرة على التعليم والصحة والإدارة والموارد والخدمات.
عند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل السودان منقسم عسكرياً؟
بل: هل بدأ السودان ينقسم مؤسسياً؟
وهذا أخطر.
فالحروب تنتهي، في النهاية، عندما تتوقف البنادق. أما تفكيك المؤسسات فيحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائها، وربما أجيالاً لاستعادة الثقة بينها وبين المواطنين.
وإذا أضفنا إلى ذلك استمرار القتال في كردفان والنيل الأزرق، واتساع استخدام المسيّرات، وتعدد شبكات الدعم الخارجي، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: الحرب لم تعد تتحرك فقط أفقياً على الخريطة، بل تتحرك رأسياً داخل الدولة نفسها، فتضرب الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والعملة والعلاقات الاجتماعية.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة الأمريكية إلى توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله.
فهي من حيث المبدأ، تعالج واحدة من أهم حلقات استمرار الحرب: تدفق أدواتها.
لكن نجاحها لن يتوقف على صدور القرار وحده، وإنما على القدرة على إنفاذه ومراقبة شبكات التهريب والتمويل والشراء، وعلى استعداد الدول التي تملك نفوذاً على أطراف الحرب لاستخدامه لوقف الإمداد، لا لإعادة تدويره.
وهنا ينبغي ألا نغفل الجانب السوداني من المعادلة.
فالتدخل الخارجي لا يخلق الحرب من العدم، كما أن وقف السلاح خارجياً لا يصنع السلام تلقائياً. ثمة مسئولية سودانية مباشرة تقع على عاتق القيادات العسكرية والسياسية التي ما زالت تراهن على تحسين مواقعها في الميدان قبل الذهاب إلى التسوية.
والحقيقة القاسية أن كل طرف يعتقد أنه يستطيع تحقيق مكاسب إضافية قبل التفاوض، يُراكِم في الوقت نفسه، خسائر إضافية على الدولة.
قد يكسب موقعاً عسكرياً، لكنه يخسر طريقاً أو سوقاً أو مستشفى أو مدرسة.
وقد يوسع نطاق سيطرته، لكنه يوسع معه رقعة الفقر والنزوح وانهيار الخدمات.
وقد يحقق تقدماً تكتيكياً، لكنه يجعل إعادة توحيد الدولة أكثر صعوبة.
وهنا تبرز حكومة “كامل إدريس” أمام اختبار مختلف. ليس من الإنصاف تحميلها مسئولية اقتصاد دمرته حرب بدأت قبل تشكيلها، لكن استمرار الانهيار يضعها أمام سؤال مشروع: ماذا تستطيع أن تفعل لاستعادة الحد الأدنى من وظائف الدولة، وتحريك الإنتاج، وحماية الأسواق، والاستعداد لموجة عودة محتملة لملايين النازحين واللاجئين؟
فالعودة إذا حدثت، لن تكون مجرد لحظة إنسانية عاطفية. إنها صدمة اقتصادية واجتماعية.
ملايين الأشخاص سيحتاجون إلى الغذاء والمياه والسكن والتعليم والصحة والعمل.
وإذا لم تسبق العودةَ خطة للسلام والإعمار والإنتاج، فقد يجد العائدون أنفسهم أمام بلد لا يملك ما يكفي لاستقبالهم.
ويزداد الأمر تعقيداً مع موسم زراعي يواجه مخاطر شح الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت يحتاج فيه السودان إلى الزراعة لا لتوفير الغذاء فقط، وإنما لاستعادة دورة اقتصادية يمكن أن توفر النقد الأجنبي وفرص العمل وتخفف الضغط على العملة.
لهذا، فإن الحديث عن السلام لا ينبغي أن يظل خطاباً دبلوماسياً منفصلاً عن الاقتصاد.
السلام في السودان هو أيضاً سياسة اقتصادية.
ووقف الحرب يعني فتح الطرق، واستعادة الأسواق، وتمكين المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وعودة العمال والمنتجين، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين.
وكل ذلك لا يمكن أن يحدث في ظل حرب مفتوحة.
لكن السلام نفسه يحتاج إلى إرادة سودانية. فالمجتمع الدولي يستطيع فرض العقوبات، ومراقبة الحدود، وتجفيف بعض مصادر السلاح، لكنه لا يستطيع أن يفرض على السودانيين وحدهم قرار التخلي عن وهم الحسم العسكري.
في النهاية، لا يمكن اختزال مأساة السودان في سؤال: من يملك السلاح الأقوى؟ فهذا السؤال نفسه أصبح جزءاً من المشكلة.
فكلما أصبح ميزان القوة العسكرية هو المعيار الوحيد لتحديد المستقبل، تراجعت السياسة، وانكمش المجال المدني، واتسعت مساحة اقتصاد الحرب، وأصبح بقاء الدولة رهناً بنتيجة معركة جديدة.
لهذا تبدو الدعوة إلى توسيع حظر السلاح مهمة، لكنها ليست كافية. فالسلاح يجد طريقه عندما توجد إرادة لاستخدامه، وشبكات لتمويله، ودول ومصالح تستفيد من استمرار الحرب.
ولذلك، فإن وقف تدفق السلاح يجب أن يتزامن مع ضغط سياسي حقيقي على جميع الأطراف، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، وفتح طريق جاد إلى تسوية لا تمنح أحداً مكافأة على قدرته على إطالة القتال.
لكن المسئولية الأكبر تظل سودانية.
فالجيش والدعم السريع والقوى السياسية المرتبطة بهما لا يستطيعون الاستمرار في التعامل مع السودان، باعتباره غنيمة مؤجلة لمن ينتصر.
البلاد ليست ميداناً مفتوحاً لاختبار القوة، ولا يمكن اختزال مستقبلها في خرائط السيطرة العسكرية.
وكل يوم إضافي من الحرب يقتل مواطناً، أو يدفع أسرة إلى النزوح، أو يغلق مدرسة، أو يُنهِك مستشفى، أو يدمر مزرعة، أو يقتطع جزءاً جديداً من الاقتصاد، أو يضعف مؤسسة من مؤسسات الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد ينجح أحد أطراف الحرب في السيطرة على مزيد من الأرض، لكنه قد يخسر السودان نفسه.
وعندما يأتي يوم التسوية، لن يكون السؤال الحقيقي: من انتصر في المعركة؟ بل: هل بقيت دولة يمكن أن يحكمها السلام؟
ربما كان “جيمس كارفيل” محقاً عندما قال: «إنه الاقتصاد، يا غبي».
لكن السودان يفرض صيغة أكثر قسوة: إنها الدولة.. يا غافل.
فإذا لم يتوقف نزيف الحرب قبل أن تستنفد الدولة آخر وظائفها، فلن تكون المشكلة في إعادة بناء السودان بعد الحرب، وإنما في العثور على السودان الذي كان قائماً قبلها.
<p>The post السودان.. الحرب التي تأكل الدولة first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





