الحيرة والتساؤلات فى عالم السياسة
عالم السياسة الذى أقصده مفهوم واسع وممتد يشمل كل من يسوس ويشارك فى الحكم، ويشمل كل باحثى السياسة والمفكرين والكتاب وقادة الرأى والفكر المعنيين بقضايا السياسة وبالطبع يشمل كل المواطنين المعنيين أيضًا.
لم أتوقف يومًا لا فى سنوات القرب من رسم وتنفيذ السياسة الخارجية ولا فيما بعدها من التساؤل عن من لا يعرفون مدى صعوبة عملية اتخاذ القرار وتعقيداته، فأيًا كان المنظور الذى يتعامل فيه المرء مع عالم السياسة المعقد.
تبدو الحيرة كبيرة فى كثير من المواقف.
والغريب أننا عندما نتابع كل هذا الكم من التحليلات والكتابات فى الإعلام وفى وسائل التواصل الاجتماعى حيث مئات الألوف من الذين يبدون الآراء والتعليقات وإعطاء الانطباع بأن لديهم معرفة كافية بأسباب تأييدهم أو تحفظاتهم على ما يرونه، وما ينبغى عمله، وما أقصده ليس أنهم لا يعرفون، ففى الحقيقة أن هناك الكثير والكثير من الآراء الوازنة ولكن هناك أيضًا الكثير من الاجتهادات غير المناسبة.
والحقيقة أيضًا أن السياسة عمومًا صعبة وبأكثر مما يبدو للوهلة الأولى، بل إن عملية صنع القرار بطبيعتها معضلة ومعقدة، فكل قرار سياسى له دلالات اقتصادية واجتماعية، وما يبدو اقتصاديًا بحتًا هو فى قلب القرار السياسى، بل ربما لا يكون هناك شىء اقتصادى ليس سياسيًا، وما يصلح سياسيًا فى مرحلة قد لا يصلح فى مرحلة أخرى، ولهذا تمر القرارات الاقتصادية السياسية بدورات متعاقبة من التغيير والعودة للبدايات والاجتهادات.
ولو ركزنا حديثنا على السياسة الخارجية لوجدنا أنها بطبيعتها صعبة، فيجب أن نتذكر أن عمر محاولات البشرية الاستناد إلى قواعد وقوانين قصير جدًا فى التاريخ، ودليل هذا ما نواجهه اليوم فى المرحلة الدولية الراهنة من انهيار لمنظومة القانون الدولى التقليدى والإنسانى وشيوع حالة الفوضى والسيولة التى كانت الغالب على تاريخ البشرية حتى الحرب العالمية الثانية وما تلاها من محاولات ترشيد عانت لتترسخ ثم بدأت مجددًا فى التحلل ويسارع الرئيس ترامب لإكمال هذا التحلل بدرجة كبيرة.
والملفت فى هذه الصعوبة، أن معاناة عمليات صنع القرار وصياغة ردود الفعل والاستراتيجيات لا تقتصر على الفاعلين الدوليين الأصغر الذين عليهم مواكبة السير فى خضم مسارات وعرة طوال الوقت، بل حتى الكبار يعيشون معاناة التحرك نتيجة قراراتهم، ولو أخذنا مثالًا من الحرب الأمريكية الجارية ضد إيران سنرى ترجمة واضحة لهذا، فقط علينا أن نغفل تصريحات الرئيس الأمريكى الواثقة والتى تبدو حاسمة وننظر إلى سجل هذه الحرب وتعقيداتها وكيف حول استراتيجيته من عسكرية لم تحقق نتائجها إلى اقتصادية ثم يجمع الآن بين استراتيجية ضغوط متعددة الأبعاد لمحاولة تحقيق أهدافه، وخلال هذا عليه توظيف سياسات للتعامل مع تحديات دولية وداخلية جراء هذه الحرب وعليه أن يدعى أنه منتشيًا وواثقًا من نفسه وهو يراقب بقلق نتائج ما يحدث على انتخابات التجديد النصفى المقبلة، وعينه ليس فقط على ما يراه مصالح بلاده المستقبلية من وجهة نظره، وإنما أيضًا صورته وإرثه السياسى ومستقبل التيار السياسى الذى يقوده.
لا يملك الرئيس ترامب مفاتيح اليقين الكامل فى المسرح الذى يتعامل معه، وحتى لو كانت ثقته الزائدة تدفعه للمبالغة وتصديق نفسه فى كل قراراته – وأشك فى هذا – ولكن على الأقل معاونيه ومن يشاركونه فى تقديم الحلول والبدائل يشعرون بقدر كبير من عدم اليقين والشعور بالخطر.
ولو أن حال الكبار مثل هذا، فلنا أن نتخيل حال الباقين الذين يجدون أنفسهم فى وسط مشهد لا سيطرة لهم عليه، ومن ثم عليهم أن يتخذوا قرارات صائبة ومحسوبة ولا تمثل أعباء مستقبلية، وفى الحقيقة أن هذا نادرًا ما يحدث، ففى كثير من الأحوال تضطر الدول إلى اتخاذ قرارات عاجلة تسبب صعوبات تالية وتحتاج معالجات قد تكون بالغة الصعوبة.
وتصطدم عملية صنع القرار بإشكالات عديدة من أبرزها أن البشر لا يرون الأمور بشكل واحد وإنما من خلال إدراكاتهم التى تتأثر بأولوياتهم وخلفياتهم العلمية والمهنية، وهذا البعد له آثار عميقة فى كيفية رؤية المشاكل وهى الخطوة الأولى فى طريق إيجاد الحلول، وكنتيجة لأهمية الاعتبارات المتداخلة سابقة الذكر فالأساس فى عملية صنع القرار هو أن تشمل الاستشارات كل الخلفيات المعنية ويكون التحدى أمام صانع القرار عندما تتناقض الاعتبارات وتقود لنتائج مختلفة ويجد نفسه أمام ضرورة ترجيح أحد الاعتبارات على حساب اعتبارات أخرى، وهذا القرار فى ذاته قد يصبح مصدرًا للمشاكل ولتعقيدات أكبر إذا تم ترجيح بعد على الأبعاد الأخرى واكتشف صانعو القرار لاحقًا أن تقديراتهم للأوزان النسبية للاعتبارات لم تكن حكيمة، والأخطر من كل هذا، أن تكون هذه الاعتبارات مصالح شخصية تتعلق بالبقاء فى المناصب أو معلومات وتقصير لم يكشف عنه فى التوقيت المناسب وتستمر سلسلة الأخطاء والقرارات غير الرشيدة.
أظن أن كل ما سبق ليس إلا جزءًا يسيرًا من سؤال كم هى صعبة الأمور، فما بالنا بعالم حافل بالسيولة والفوضى..
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة





