ترامب وشي يستعدان لقمة وسط تعاظم لقوة الصين التجارية
في الأشهر الأربعة التي انقضت منذ آخر لقاء بين زعيمي القوتين العظميين في العالم، قاد شي جين بينغ طفرة في تجارة الصين مع العالم، بينما واجه دونالد ترامب صعوبات في الداخل مع تراجع معدلات التأييد له.
ويقول محللون إن هذا التغيير خفض سقف التوقعات بشأن قمتهما المرتقبة في واشنطن هذا الأسبوع، إذ ليس هناك ما يدفع شي لأن يكون على عجلة من أمره لتقديم تنازلات، في حين تقيد ترامب تداعيات الحرب المكلفة مع إيران، التي أضرت بشعبيته وأثقلت كاهل المستهلكين الأميركيين.
ورغم احتمالية التطرق لقضايا شائكة مثل تايوان، سينصب التركيز الرئيسي لاجتماع 24 سبتمبر/أيلول على ما إذا كان الزعيمان سيبعثان بإشارة تفيد بإمكانية تمديد الهدنة التجارية التي أبرمت العام الماضي وأسهمت في تجنب صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، وفق وكالة “رويترز”.
وقال جون تزين خبير السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز والذي شغل سابقا منصب مدير شؤون الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي: “شي لا يسعى حقا إلى أي أمور ملموسة. يريد تمديد التفاهم غير الرسمي مع ترامب حتى يتسنى للصين تعزيز قدراتها”.
“عالم شي”.. قوة تصديرية هائلة
سعى مسؤولون في البيت الأبيض إلى التقليل من احتمالات تحقيق انفراجة كبيرة خلال القمة.
وقاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ محادثات تمهيدية في نيويورك أمس الأحد بهدف الإعداد لبعض الاتفاقات المحتملة بشأن ضوابط الذكاء الاصطناعي والتجارة في المنتجات غير الحساسة.
ويبتعد ذلك كثيرا عن تعهد ترامب لدى عودته إلى البيت الأبيض في 2025 باستخدام الرسوم الجمركية لمعالجة اختلال الميزان التجاري مع الصين، الذي قال إنه “يقضي” على الولايات المتحدة.
لكن منذ اتفاقه على الهدنة مع شي في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، تشتت اهتمامه بين العديد من الملفات الأخرى في السياسة الخارجية، من الحربين في إيران وأوكرانيا إلى الخلافات مع أوروبا بشأن حرية التعبير.
وواجهت الصين أيضا تحديات مثل تباطؤ الطلب المحلي وأزمة قطاع العقارات المطولة. لكن القوة التصديرية الهائلة التي سعى ترامب إلى كبح جماحها واصلت اندفاعها القوي، وتشير التقديرات إلى أن الفائض التجاري العالمي للصين يتجه لتجاوز حاجز التريليون دولار للعام الثاني على التوالي.
ورغم نجاح الجهود الأميركية في الحد من شحنات رخيصة تعتمد عليها شركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت مثل شي إن وتيمو، زادت أكثر من نصف فئات المنتجات البالغ عددها حوالي 6500 فئة التي باعتها الصين إلى الولايات المتحدة حتى الآن هذا العام مقارنة بالعام الماضي.
ومن المقرر أن يرافق شي إلى واشنطن وفد من قادة الأعمال الصينيين، وقد يضم بعض الشركات التي تواجه تدقيقا تنظيميا أميركيا في سعيها للحصول على وصول أكبر إلى السوق.
وقال سكوت كينيدي، الخبير في العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين في مركز “سي.إس.آي.إس” البحثي الذي يتخذ من واشنطن مقرا إن إدارة ترامب: “اعتقدت أنها تستطيع استخدام ضغوط أحادية ضخمة لإجبار الصين على تقديم تنازلات، لكن ذلك لم يحدث… الآن أصبح هذا عالم شي جين بينغ، ونحن جميعا نعيش فيه”.
تايوان ومكاسب تجارية
إذا كان شي في موقع القيادة كما يشير المحللون، فإن ذلك يزيد من قلق حلفاء الولايات المتحدة في آسيا الذين يتوقعون أن يسعى الزعيم الصيني إلى دفع ترامب لتخفيف دعم واشنطن لتايوان، الجزيرة التي تتمتع بحكم ديمقراطي وتطالب بكين بالسيادة عليها.
وقال ترامب للصحافيين إن شي كرر سؤاله عن تايوان خلال لقائهما في بكين في مايو/أيار، بما في ذلك ما يتعلق بمبيعات الأسلحة الأميركية للجزيرة ومدى التزام واشنطن بالدفاع عنها.
ووصف الرئيس الأميركي حزمة أسلحة قيد الإعداد لتايوان بقيمة 14 مليار دولار بأنها “ورقة تفاوض” مع بكين.
ويبدي بعض المسؤولين في تايبه وطوكيو مخاوف من أن يغريه توظيف هذه الورقة لتحقيق مكاسب سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، والتي تشكل تحديا للحزب الجمهوري.
ويشمل ذلك مشتريات صينية لطائرات بوينغ أو منتجات زراعية أميركية، أو تعهدات للحد من تدفق المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، والتي ساهمت في تفاقم أزمة المواد الأفيونية في الولايات المتحدة.
قال وو شينبو الأستاذ في جامعة فودان بشنغهاي ويقدم المشورة لوزارة الخارجية الصينية: “أصبحت العلاقات الصينية الأميركية قائمة بشكل متزايد على مبدأ تبادل المنفعة”.
وأشار إلى أن واشنطن قد ترغب في إعطاء الأولوية للمحادثات التجارية، لكن تعامل الولايات المتحدة مع ملف تايوان قد يمثل أمرا أساسيا بالنسبة لبكين.
وأضاف موضحا ما يعنيه بمسألة تبادل المنفعة بين بكين وواشنطن: “إذا أخذتم مخاوفنا بشأن قضية تايوان بعين الاعتبار، فسنكون مستعدين بدورنا لمراعاة مخاوفكم بشأن قضايا أخرى، سواء تعلق الأمر بإنفاذ القانون أو بشراء المنتجات الزراعية الأميركية”.
الضغط على إيران
ترى واشنطن أيضا أن شي يتمتع بقدرة فريدة على ممارسة ضغوط على إيران للمساعدة في إنهاء الحرب التي دفعت معدلات تأييد ترامب إلى أدنى مستوياتها خلال مسيرته السياسية.
لكن شي لم يبد ميلا يذكر للقيام بذلك. وذكرت “رويترز” في وقت سابق من هذا الشهر أن بكين تبيع لإيران سلعا بمليارات الدولارات عبر آلية للالتفاف على العقوبات. وتقول وزارة الخارجية الصينية إنها ليست على علم بوجود مثل هذه الآلية.
كما أن تهديدات الولايات المتحدة الشهر الماضي بفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، ووصفها بيسنت بأنها “يوم النصر الاقتصادي”، لا يبدو أنها استخدمت حتى الآن ضد أكبر شريك تجاري لطهران.
ويرى محللون أن ذلك يشكل دليلا إضافيا على حرص ترامب على إبقاء العلاقات مع شي مستقرة بينما يركز جهوده على ملفات أخرى، وهو ترتيب يتوافق أيضا مع مصالح الزعيم الصيني.
وتقول روبي عثمان كبيرة باحثي الشؤون الجيوسياسية بمعهد توني بلير للتغيير العالمي: “يرى كل من شي وترامب أن تحقيق الاستقرار في العلاقات أمر مفيد للغاية، إذ يتيح لهما التركيز على قضايا أكثر إلحاحا… بالنسبة لترامب، تتمثل هذه القضية في إيران، أما بالنسبة لشي، فتتمثل في تعزيز قدرة الصين على الصمود داخليا استعدادا لأي مرحلة تلي عهد ترامب”.
المصدر: العربية – اقتصاد



