مصر والسعودية.. حين يقترب الخطر من قناة السويس!
قد تبدو النار مشتعلة في مكان بعيد، على شاطئ آخر من البحر الأحمر، لكن التاريخ والجغرافيا يقولان إن بعض الحرائق لا تبقى حيث بدأت. وما يجري اليوم حول باب المندب ليس مجرد اشتباك جديد في حرب اليمن، ولا مجرد تهديد لسفن تجارية في طريقها إلى وجهتها؛ فحين تصبح الملاحة الدولية تحت رحمة السلاح، وحين تمتلك جماعة مسلحة القدرة على تهديد طريق يربط الشرق بالغرب، فإن الخطر يتحول من أزمة محلية إلى تهديد للأمن الإقليمي بأكمله.
وهنا تحديدًا لا تستطيع مصر أن تكتفي بالمشاهدة. فالبحر الأحمر ليس بحرًا يفصل مصر عن محيطها، وإنما جزء من عمقها الاستراتيجي. وباب المندب ليس مضيقًا بعيدًا عن الحسابات المصرية، بل البوابة الجنوبية التي يمر منها الطريق إلى قناة السويس. وما يحدث عند هذه البوابة يمكن أن يصل صداه إلى القناة، وإلى الموانئ المصرية، وإلى حركة التجارة، وإلى الاقتصاد المصري، في لحظةٍ لا تحتمل مزيدًا من الضغوط.
والأخطر أن المسألة لم تعد تتعلق بخلاف بين أطراف يمنية، وإنما باحتمال ترسيخ قاعدة خطيرة في الإقليم: أن تتحول الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للضغط السياسي، وأن تصبح حركة السفن والتجارة رهينة لقرارات جماعات مسلحة أو لأجندات قوى خارجية.. وإذا ترسخت هذه القاعدة، فلن يكون البحر الأحمر هو المتضرر الوحيد، ولن تبقى التداعيات محصورة في اليمن.
هنا تظهر السعودية، وهنا تظهر مصر. فالسعودية ليست مجرد دولة عربية شقيقة تجمعها بمصر علاقات تاريخية عميقة، وإنما دولة تقع في قلب المعادلة الجغرافية والأمنية للبحر الأحمر والخليج. ومصر ليست مجرد دولة تطل على البحر الأحمر، وإنما الدولة التي تمثل قناة السويس بالنسبة إليها شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لا يمكن فصل أمنه عن أمن الطريق البحري المؤدي إليه.
ومن ثم، فإن ما يحدث يمس القاهرة والرياض في مساحة واحدة، حتى وإن اختلفت زاوية التهديد. أمن السعودية في البحر الأحمر، وأمن الملاحة في باب المندب، وأمن قناة السويس، كلها حلقات في منظومة واحدة. وأي محاولة لقطع واحدة منها أو إخضاعها لمنطق القوة والابتزاز يمكن أن تمتد تداعياتها إلى بقية المنظومة.
وهنا تصبح مصر أمام مسؤولية تفرضها مكانتها العربية وجغرافيتها ومصالحها الوطنية. فالشقيقة الكبرى لا يمكن أن تتعامل مع تهديد يمس أمن دولة عربية مركزية وكأنه شأن بعيد عنها، خصوصًا عندما يتقاطع هذا التهديد مع أحد أهم طرق التجارة المؤدية إلى الأراضي والمياه المصرية.
لقد دفعت مصر بالفعل ثمن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتعرف أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد السفن التي تمر من قناة السويس. فكل اضطراب يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة توجيه بعض الرحلات، وضغطًا على التجارة العالمية، وانعكاسًا مباشرًا على إيرادات القناة والاقتصاد المصري.
لكن القضية في جوهرها أكبر من المال..
إنها قضية من يملك حق التحكم في شرايين التجارة الدولية. وهل تستطيع جماعة مسلحة أن تفرض قواعدها على ممر بحري عالمي؟ وهل يسمح العالم العربي بأن تتحول سواحله ومضائقه إلى أوراق في صراعات النفوذ؟ وهل يمكن فصل أمن الخليج عن أمن البحر الأحمر، أو فصل البحر الأحمر عن قناة السويس؟
الإجابة المصرية يجب أن تنطلق من حقيقة واحدة: الأمن القومي لا يبدأ عند خط الحدود، بل عند النقطة التي يمكن أن يبدأ منها الخطر في الاقتراب من الدولة.
ومن جنوب مصر إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى قناة السويس، تتصل دوائر الأمن المصري بعضها ببعض. ولذلك فإن التعاون المصري السعودي في هذه اللحظة ليس ترفًا دبلوماسيًا ولا مجرد تعبير عن عمق العلاقات التاريخية، وإنما ضرورة تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة، وحاجة عربية إلى منع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للأجندات الخارجية.
فالمسافة بين باب المندب وقناة السويس قد تبدو طويلة على الخريطة، لكنها في حسابات الأمن القومي قد تختصرها سفينة واحدة تتعرض للتهديد، أو طريق تجاري واحد يتعطل، أو قرار واحد بإغلاق بوابة من أهم بوابات العالم. وهنا تحديدًا تعرف مصر أن ما يحدث عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر يمكن أن يصبح، إذا تُرك دون ردع، شأنًا مصريًا مباشرًا عند قناة السويس.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة





