احترام المساحة الشخصية فريضة
أستاذ الجامعة الذى التقط صورة لطالبة ومنعها من تسلم شهادة تخرجها، ارتكب جريمة اقتحام المساحة الشخصية لمواطنة، ولا يمتلك أى حق فى هذا التصرف، ما زلنا لم نفهم بعد أن هذا الاحترام هو أول عمود فى بناء الحداثة.
ففى الحضارة الغربية، لا تُفهم الحرية باعتبارها حق الإنسان فى الكلام والاختيار فقط، بل حقه أيضاً فى امتلاك مساحة غير مرئية حول جسده لا يقتحمها الآخرون بلا إذن، هذه هى المساحة الشخصية Personal Space، وهى دائرة نفسية متحركة يشعر الفرد داخلها بالأمان والسيطرة على جسده وخصوصيته، صاغ عالم الأنثروبولوجيا الأمريكى إدوارد ت.
هول فى ستينات القرن العشرين علماً سمَّاه Proxemics، أى دراسة المسافات بين البشر ودلالاتها.
وقسّم المسافة المحيطة بالإنسان إلى أربع مناطق: المسافة الحميمة، من التلامس إلى نحو 45 سنتيمتراً، وتُترك للحبيب والأسرة، والمسافة الشخصية، حتى نحو 120 سنتيمتراً، للأصدقاء، ثم المسافة الاجتماعية للغرباء وزملاء العمل، وأخيراً المسافة العامة للمحاضرات والتجمعات.
لكن «هول» لم يعتبر هذه القياسات قوانين جامدة؛ فهى تختلف باختلاف الثقافة والعمر وطبيعة العلاقة وكثافة المكان.
المساحة الشخصية فى جوهرها إعلان صامت يقول: جسدى ليس ملكاً عاماً، وقربى ليس حقاً مكتسباً للآخرين، لذلك يُعد الاقتراب المفرط، أو لمس الكتف والوجه، أو التحديق المستمر، أو الوقوف ملتصقاً بشخص مع وجود مساحة متاحة، سلوكاً مزعجاً حتى لو لم يصل إلى درجة الجريمة، ومع ذلك، لا يوجد فى أغلب الدول الغربية قانون يقول: «يجب أن تبتعد عن الشخص ستين سنتيمتراً».
فالازدحام فى المترو والمصعد يجعل ذلك مستحيلاً، القانون يتدخل عندما يتحول اختراق المساحة إلى لمس دون رضا، أو تهديد، أو تحرش، أو ملاحقة متكررة، أو انتهاك للمنزل والخصوصية.
فى بريطانيا، يجرّم قانون الحماية من التحرش لعام 1997 السلوك المتكرر الذى يسبب الخوف أو الضيق، ويتضمن جريمة الملاحقة، كما يجرّم قانون الجرائم الجنسية لعام 2003 اللمس الجنسى المتعمد دون موافقة، وفى دول الاتحاد الأوروبى تحمى المادتان السابعة والثامنة من ميثاق الحقوق الأساسية الحياة الخاصة والبيانات الشخصية.
إذن، المساحة الشخصية ليست مجرد رفاهية غربية أو برود اجتماعى، إنها ترجمة يومية لفكرة أعمق، وهى أن احترام الإنسان يبدأ قبل لمسه، وأن الحدود لا تصبح مشروعة فقط عندما تتحول إلى أسوار عازلة.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة



