الشرق الأوسط ونظام إقليمي جديد
هل كان السادسُ من أغسطس/ آب المنصرم نقطةً مفصليّة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر؟
المؤكَّد أنّ توقيع اتّفاقِيّة مكّة أعاد التساؤل حول ما إذا كان هناك ولادة لنظامٍ إقليميّ جديد تعاد فيه عمليّة ترتيب حقائق القوّة في المنطقة، بهدف مواجهة مرحلةٍ آنِيّة من الفوضى غير الخلّاقة، كانت إيران سببًا رئيسًا فيها.
اتّفاقيّة مكّة للدفاع المشترك، تمضي في طريق تبَنِّي نهج موحَّد في مواجهة التهديدات الإقليمِيّة، وتُذكِّر المرء بما قاله نابليون بونابرت ذات مرّة من أنّ “الهواة يناقشون التكتيكات، أمّا المحترفون فيناقشون الاستراتيجِيّات”.
لماذا كان اتّفاق مكة أمرًا واجبَ الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة؟
لا يمكن الجواب من غير النظر إلى خرائط الجغرافيا، بحسب الجنرال شارل ديغول، وما يجري في الشرق الأوسط والخليج العربي، بات أمرًا يتجاوز تغيير خرائط الجغرافيا، إلى تبديل معالم القُوَّة.
التفت العالم باهتمامٍ بالغ لجهة الاتّفاق، وليس أدَلّ على ذلك من أنّ التقرير الاستراتيجِيّ الصادر قبل أيّام من مركز ستراتفور للأبحاث والدراسات الاستراتيجِيّة لصاحبه رجل استخبارات الظلّ “جورج فريدمان”، يشير إلى أهمّيّة الاتّفاق وأنّه يُقرأ بوصفه نشوء بنية تحالف جديدة، قادرة على الحماية والردع، ومن دون أيّة نوايا هجومِيّة سلبِيّة، تنتقص من استقرار المنطقة وأمنها.
الأهم في تقدير فريدمان تفسيره لدوافع الاتّفاق، هو كيف أنّه لا يربط الاتّفاقِيّة بتطَوّرات المشهد العسكريّ في المنطقة، بل يعمد إلى إنشاء إطارٍ جيوسيٍّ تقدُّميّ، يقفز فوق الصراع الأميركيّ–الإيرانيّ، ويهتمّ بنوعٍ خاصٍّ بمستقبل المنطقة برُمَّتها بعد الانسحاب الأميركِيّ من الشرق الأوسط عامّةً، والخليج العربيّ خاصّةً، وهو الأمر الذي يتبدَّى جلِيًّا في الأوقات الراهنة، استجابةً لأصوات تيار الانعزالِيّين في الداخل الأميركيّ.
هنا يبقى من نافلة القول الإشارة إلى أنّ أهمَّ ملمحٍ وملمس في النظام الإقليمِيّ الجديد المُرتَقَب في الشرق الأوسط، يتمَثَّل في فكرة طرح القضايا المصيرِيّة من الذات، وبدون تشبيكات سياسِيّة تعتمد على الآخرين.
أضحت الشراكةُ السعودِيّة الباكستانِيّة التركِيّة نقطةَ ارتكازٍ قابلة للتوَسُّع والامتداد، إلى الجوار على كافة المحاور الاستراتيجِيّة العربيّة، في طريق إعادة بناء هيكلِيَّة سياسِيّة وأمنِيّة جديدة، قادرة على ضبط المسافات مع بقِيَّة العواصم والعوالم الخارجِيّة، وبدون ارتهان القرار السياسِيّ لأيّ عامل خارجي مَهْما كانت قدرتُه أو منعتُه.
هل الشرق الأوسط في حاجة لإعادة تاسيس مَرَّة جديدة بالفعل؟
لا يمكن تقييم المخاطر من غير الرجوع إلى الماضي القريب، فقد عرفت هذه الرقعة الجغرافِيّة من العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وغياب شمس الإمبراطوريّة البريطانِيّة، نفوذًا أميركيًّا واسعًا، مع المرور بالعديد من المراحل المثيرة والخطيرة في ذات الوقت، وفي مقَدِّمها الصراع العربيّ الإسرائيليّ، ثم تنامي تَيّار القومِيّة العربِيّة، وصولًا إلى أم الكوارث، أي ثورة إيران عام 1979.
نحن على عتبات تأسيس مرحلة جيوسياسيّة شرق أوسطيّة جديدة، تَتَّسق وإرهاصات بزوغ نظامٍ عالمِيّ متعدِّد الأطراف، ومتنَوِّع الأطياف، ولهذا تأتي اتّفاقية مَكّة لتقطع بأنّ العالمَيْن العربيّ والإسلاميّ قادران على أن يساهما في رسم المسار الأمميّ الجديد والوليد.
أنفع وأرفع ما في اتّفاق مكّة، هو أنّ دول المنطقة باتت حكمًا على درجة هائلة من الحكمة والحصافة السياسيتَيْن، ما يَصُدُّ عنها تبعات التقلبات السياسِيّة الخاصّة بالدول العظمى.
إنّ نظرةً سريعة على العقد الثاني من الألفِيّة الثالثة، تظهر عدم القدرة الدولِيّة على التنَبّؤ بسياسات الولايات المُتَّحدة الأميركِيّة، تلك التي اتّسمت بثنائيّةٍ تقليدِيّة تتناقض فيها الرغبات وتتنازع الإرادات.
على سبيل المثال وفي العام 2015، وافق الرئيس باراك أوباما على خطّة العمل الشاملة المشتركة مع إيران. بينما خليفته دونالد ترمب، فقد نقض الاتّفاق بعد ثلاث سنوات.
بالقدر نفسه– والعُهدة هنا على الراوي ستيفن كوك الخبير في مجلس العلاقات الخارجِيّة في نيويورك– شَجَّعت الولايات المُتَّحدة الديمقراطِيَّة في المنطقة، ثمّ تراجعت عن ذلك، قبل أن تعود للمحاولة مجددًا في زمن ما أطلق عليه الربيع العربيّ، ولاحقًا تخَلَّتْ عن الأمر نهائِيًّا.
وبالنظر إلى الشرق الآسيوِيّ، ورغم العلاقات الطيّبة والملحوظة مع روسيا الاتّحادية والصين، إلّا أنّ الحقيقة المُؤكَّدة التي أفرزتها تطَوّرات الأعوام الأخيرة، تتمَثَّل في أنّ موسكو وبكين هما أصدقاء الوفرة وأوقات الرخاء، لا أصدقاء منتصف الليل أو أزمنة الشّدّة الذين يهُبُّون لنجدة حلفائهم، ما يعني أنّها البراغماتِيّة الحاكمة عينها للغرب، لكن بأنساقٍ شرقيّة.
نظام إقليميّ شرق أوسطِيّ جديد، يعني أنّ هناك رؤيةً لبناء شراكات لا ينبغي النظر إليها من منظورٍ حَدِّيّ، ولا تسلك طريق التقسيم المانوِيّ للعالم، بين مَن معنا ومَن علينا، ذلك أنّه يمكن له أن يمثّل جهدًا مضافًا ومتّسقًا مع جهود قوى قطبِيَّة لها مصالح إقليمِيّة في المنطقة، حتى وإن كانت تعيد في الوقت الراهن تقييم أدوارها الأمنِيّة والسياسِيّة التي قاربت ثمانية عقود.
الشراكة بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة، هي بكُلّ تأكيد وتحديد، بداية نواةٍ لنظامٍ أمنيّ إقليمِيّ جديد، نظام لا يسأل عَمَّن يحكم الشرق الأوسط، بل يشاغب فكرة من يمتلك القدرة على حماية هذا النظام، والذي يحاول جاهدًا الخروج إلى النور في زمن وحوش غرامشي، وانهيار قواعد النظام الإقليمِيّ القديم، وانتظار فجرِ عالمٍ جديد، وليس مجرد اتّفاق دفاعِيّ بين ثلاث دول فحسب.
المصدر: العربية – سياسة





