الصين ترفع رهاناتها على التقنيات العميقة والكم يدخل قلب استراتيجية 2035
وسعت الصين حضور تقنيات الكم في خططها التنموية طويلة الأجل، واضعةً إياها إلى جانب الذكاء الاصطناعي والفوتونيات والتصنيع المتقدم ضمن منظومة متكاملة تستهدف تعزيز الاستقلال التكنولوجي والاقتصادي للبلاد بحلول 2035.
ورسم “مخطط الخطة الخمسية الرابعة عشرة ورؤية 2035” إطاراً تقوده الدولة لتحويل الأبحاث العلمية إلى قدرات صناعية واقتصادية، مع زيادة واضحة في الاهتمام بتقنيات الكم مقارنة بالدورات التخطيطية السابقة. كما دعا إلى إنشاء مختبرات وطنية متخصصة في معلومات الكم والفوتونيات والإلكترونيات الدقيقة وتقنيات الاتصالات والشبكات.
وصنف المخطط تقنيات الكم ضمن “التقنيات الناشئة” ذات الأهمية الاستراتيجية، إلى جانب الذكاء الشبيه بالدماغ والهندسة الوراثية. وعكس ذلك توجهاً نحو توسيع التطبيقات العملية خارج المختبرات الأكاديمية لتشمل مشروعات البنية التحتية ومراكز الاختبار الصناعي، مثل شبكة الاتصالات الكمية بين بكين وشنغهاي والمختبر الوطني لعلوم معلومات الكم في مدينة خيفي، وفقاً لما ذكره موقع “The Quantum Insider”، واطلعت عليه “العربية Business”.
برنامج أوسع من الحوسبة الكمية
امتد البرنامج الصيني للكم إلى 3 مجالات رئيسية هي الحوسبة والاتصالات والاستشعار. وحققت بكين خطوة مبكرة بإطلاق القمر الصناعي “ميسيوس” عام 2016 لإنشاء قنوات اتصالات كمية آمنة عبر الفضاء، ما منحها تقدماً مبكراً في شبكات الكم.
وطورت شركات صينية، من بينها “أوريجين كوانتوم” و”بايدو” و”علي بابا”، أنظمة حوسبة كمية تعتمد على الموصلات فائقة التوصيل، فيما ركزت شركة TuringQ على الحوسبة الكمية الضوئية. كما دعمت الحكومات المحلية في مقاطعتي آنهوي وجيانغسو إنشاء مرافق متخصصة في دمج التقنيات الضوئية.
وعكست هذه المشروعات كيفية ترجمة الرؤية الحكومية إلى أصول وبنى تحتية ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتمويل الأبحاث الأساسية.
منظومة تقنيات عميقة متكاملة
منح المخطط أولوية مماثلة للذكاء الاصطناعي والفوتونيات والإلكترونيات المتقدمة والمواد الجديدة. فاعتبر الذكاء الاصطناعي محركاً للنمو الاقتصادي وأداة للحوكمة، بينما جرى تقديم الفوتونيات وأشباه الموصلات المتقدمة كأساس لتحقيق الاكتفاء التقني في الحوسبة.
وشكلت هذه القطاعات مجتمعة ما يصفه محللون بـ”مكدس التقنيات العميقة” الصيني، حيث تتكامل التقنيات المختلفة ضمن استراتيجية موحدة. كما ربطت الوثيقة بين معلومات الكم والذكاء الشبيه بالدماغ، في إشارة إلى صلة متزايدة بين أبحاث الكم وطموحات الصين في الذكاء الاصطناعي العام.
تصاعد ملحوظ في أولوية الكم
أظهرت مقارنة نصية بين الخطتين الخمسيتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة ارتفاعاً واضحاً في حضور تقنيات الكم داخل الوثائق الرسمية. ففي خطة 2016-2020 لم يرد مصطلح “الكم” سوى مرتين وبصورة مرتبطة بالاتصالات، بينما ارتفع عدد الإشارات في خطة 2021-2025 إلى ست مرات شملت معلومات الكم والحوسبة الكمية والاستشعار الكمي.
وعكست هذه الزيادة انتقال التركيز من بناء القدرات البحثية إلى دمج تقنيات الكم في البنية التحتية والاقتصاد الرقمي الأوسع. كما توسع نطاق المصطلحات المستخدمة من “الاتصالات الكمية” إلى “معلومات الكم”، بما يشمل الحوسبة والشبكات والأجهزة.
ويرى محللون أن هذا التحول ينسجم مع نضج الطموحات الصينية؛ إذ انتقلت الخطط من مرحلة بناء القدرات الوطنية إلى اعتبار تقنيات الكم جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد الذكي المستقبلي.
تكامل التقنيات في “الصين الرقمية”
ركزت فصول الخطة الخاصة بالتحول الرقمي على دمج الأنظمة المادية والرقمية ضمن مشروع “الصين الرقمية”، فيما شددت فصول الابتكار على المختبرات متعددة التخصصات والبحث والتطوير بقيادة الشركات.
ووضعت تقنيات الكم في هذا السياق كطبقة تمكينية تدعم أولويات أوسع تشمل الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والأمن القومي، بدلاً من اعتبارها قطاعاً مستقلاً.
واتبعت عملية التنفيذ النموذج الصيني المعتاد، حيث تحدد الحكومة المركزية الأهداف العامة، بينما تتولى الوزارات توزيع التمويل، وتترجم الحكومات المحلية التوجيهات إلى مشروعات ومناطق بحثية وصناديق استثمار موجهة حكومياً. كما عكس نشر مقاطعة فوجيان النسخة الإنجليزية من الوثيقة رغبة في جذب التعاون والاستثمار الأجنبي ضمن الأطر الاستراتيجية الوطنية.
نهج مختلف عن الغرب
اتسم النهج الصيني بدرجة أعلى من المركزية مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا. فبينما يركز برنامج المبادرة الوطنية للكم في الولايات المتحدة على التنسيق بين المختبرات والجامعات والشركات، ويركز برنامج “Quantum Flagship” الأوروبي على التعاون العابر للحدود، دمجت الصين هذه العناصر جميعها داخل خطة تحديث اقتصادي وتكنولوجي شاملة.
وقد يمنح هذا النهج مزايا مرتبطة بحجم الموارد وسرعة التنسيق، لكنه يثير في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالشفافية واحتمالات التداخل البيروقراطي.
إشارات استراتيجية أكثر من خطط تنفيذية
أبقت الوثيقة على طابعها التوجيهي، إذ لم تتضمن أرقاماً للإنفاق أو جداول زمنية أو أهدافاً تقنية محددة. كما لم توضح المسارات التقنية المفضلة أو حدود الاستخدامات المدنية والعسكرية.
ولذلك يتعامل المحللون مع الخطط الخمسية بوصفها مؤشرات على الاتجاه الاستراتيجي أكثر من كونها خرائط تنفيذية تفصيلية. ويبقى نجاح الأهداف مرهوناً بقدرة الحكومات المحلية على التنفيذ واستمرار التمويل وتأثير العوامل الخارجية، مثل القيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات ومعدات التبريد المتقدمة.
ورغم ذلك، أظهرت الصين من خلال دمج تقنيات الكم والتقنيات العميقة الأخرى في رؤيتيها الخمسية و2035 سعياً واضحاً لتقليص الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق الاستراتيجي، في خطوة قد تحدد مكانتها التكنولوجية خلال العقد المقبل.
المصدر: العربية – اقتصاد



