دون زراعة حبة واحدة.. سويسرا ثاني أكبر مصدّر للقهوة في العالم!

حولت سويسرا موقعها كمركز للتصنيع والتجارة إلى ميزة تنافسية جعلتها ثاني أكبر مصدر للقهوة عالمياً من حيث القيمة، رغم أن مناخها لا يسمح بزراعة البن. وبينما تستورد الحبوب الخضراء من دول منتجة مثل البرازيل وكولومبيا وفيتنام، تضيف إليها قيمة عالية عبر التحميص والتصنيع والتكنولوجيا، لتبني صناعة تدر مليارات الدولارات سنوياً.
حققت سويسرا إنجازاً اقتصادياً استثنائياً بوصول قيمة صادراتها من القهوة إلى نحو 3.3 مليار فرنك سويسري (4.2 مليار دولار)، لتأتي خلف البرازيل مباشرة وتتفوق على دول تعد من أكبر منتجي البن في العالم. ويعتمد هذا النجاح على استيراد حبوب القهوة الخضراء ثم معالجتها وتحميصها وإعادة تصديرها بأسعار أعلى بكثير.
أظهرت بيانات “مرصد التجارة السويسري” التابع لجامعة سانت غالن أن الكيلوغرام الواحد من البن الأخضر يدخل سويسرا بسعر يقارب 5 دولارات، قبل أن يغادر مصانع التحميص بقيمة تصل إلى 26.8 دولار. وجعلت هذه القفزة الكبيرة في القيمة المضافة القهوة أهم صادرات البلاد الزراعية، متجاوزة منتجات تقليدية اشتهرت بها سويسرا مثل الشوكولاتة والأجبان.
استفادت سويسرا من قاعدة قانونية في التجارة الدولية تعرف بـ”التحول الجوهري”، والتي تمنح المنتج جنسية البلد الذي شهد عملية التصنيع الأساسية. وبما أن سلطات الجمارك تعتبر تحميص البن تحولاً جوهرياً، أصبح من حق الشركات تسويق القهوة على أنها منتج سويسري رغم استيراد الحبوب من الخارج.
وطورت البلاد منظومة صناعية متكاملة حول القهوة، لا سيما في محيط بحيرة جنيف وشرق سويسرا، فيما بات يعرف باسم “وادي القهوة”. وتستضيف هذه المنظومة شركات عالمية مثل نستله المالكة لعلامتي “نسكافيه” و”نسبريسو”، إلى جانب شركات متخصصة في تقنيات ومعدات صناعة القهوة.
عززت سويسرا مكانتها عبر هيمنتها على سوق ماكينات القهوة الأوتوماتيكية بالكامل، إذ تنتج شركاتها نحو 70% من الأجهزة المباعة عالمياً. وتقود شركات مثل “Jura” و”Schaerer” و”Thermoplan” هذا القطاع، فيما تزود الأخيرة متاجر “ستاربكس” حول العالم بماكينات إعداد القهوة.
واستفادت الصناعة أيضاً من دور سويسرا كمركز عالمي لتجارة السلع الأولية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 60% و70% من تجارة البن الأخضر العالمية تمر عبر مكاتب وشركات تجارة مقرها البلاد. كما يسيطر أعضاء الجمعية السويسرية لتجارة القهوة على أكثر من نصف تجارة البن العالمية.
وساهم نجاح نظام كبسولات القهوة منذ مطلع الألفية الجديدة في تسريع نمو الصادرات، خاصة مع إنتاج “نسبريسو” كبسولاتها المخصصة للأسواق العالمية حصرياً داخل ثلاثة مصانع سويسرية. كما تعد البلاد من كبار مصدري القهوة الفورية والمنتجات عالية المعالجة الموجهة للفئات الفاخرة.
لكن قصة النجاح هذه لا تخلو من جوانب مثيرة للجدل. فقد ارتبطت تجارة القهوة تاريخياً بالإرث الاستعماري وتجارة العبيد، إذ تشير مصادر تاريخية إلى امتلاك عائلات سويسرية معروفة مزارع قهوة في مناطق استعمارية مثل كوبا، إضافة إلى مشاركتها في شبكات نقل العبيد والبضائع عبر المحيط الأطلسي.
وتواجه الصناعة اليوم انتقادات تتعلق بالأوضاع البيئية والاجتماعية في الدول المنتجة للبن. ودفع ذلك القطاع إلى إطلاق مبادرات للاستدامة وتحسين أوضاع المزارعين وزيادة شفافية سلاسل التوريد، إلا أن بعض المنتقدين يرون أن هذه الجهود تبقى محدودة لكونها تعتمد على التزامات طوعية أكثر من اعتمادها على قواعد قانونية ملزمة.
وتكشف تجربة القهوة السويسرية كيف يمكن لدولة لا تزرع حبة بن واحدة أن تبني صناعة عالمية حول هذا المنتج، مستفيدة من التصنيع المتقدم والتجارة والتكنولوجيا. ومع ذلك، لا تزال هذه القصة تحمل فصولاً مفتوحة تتجاوز النجاح الاقتصادي إلى أسئلة تتعلق بالإرث التاريخي والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
المصدر: العربية – اقتصاد
